محمد طارق السباعي ـ كشف كتاب "دفقات من معين سيرة ذاتية" لصاحبه محمد مصلح المفتش العام السابق بوزارة العدل والحريات، عن وكيل ملك كان يحكم على المتهمين ويبعد القضاة الذين يشك في تنفيذهم لتعليماته.

ويكشف الكتاب عن مُعطيات في غاية الخطورة، أبرزها كيف كان يجتمع وزير الداخلية ادريس البصري بوزير العدل عبد الرحمان أمالوا ليملي عليه الأحكام التي يجب إصدارها ضد المتهمني فيما بات يعرف بحملة التطهير التي خاضها البصري ضد التجار المغاربة.

أفقير يتصدى لظهير ملكي

 يقول  محمد مصلح في الصفحة 223 من كتابه: عندما استرجع المغرب منطقة سيدي افني خلال شهر ابريل 1969، وكنت رئيسا للمحكمة الإقليمية بأكادير، فوجئت بالجنرال اوفقير يقف على يمينه عامل الاقليم عبد السلام بنحمو وعلى يساره البروكسي، وكيل الملك لدى المحكمة الاقليمية بأكادير،وهو يردد:  اريد التحدث الى السيد رئيس المحكمة الاقليمية بأكادير".

فقال لرئيس المحكمة الاقليمية بأكادير ان القاضي المعين من طرف وزارة العدل على رأس محكمة سيدي ايفني غير مرغوب فيه بسيدي افني، ولذلك فانه يتعين عليك بصفتك رئيسا للمحكمة الاقليمية ارجاعه معك الى اكادير فأجابه  محمد مصلح بأدب بأنه لايملك الحق قانونيا للتدخل في هذا التعيين وختم الجنرال محمد أوفقير كلامه بانه سيتصل بصاحب الجلالة "الحسن الثاني " الموجود بمدريد لحل هذا المشكل.

وفعلا ماكاد يمر حوالي شهر على هذه الواقعة حتى توصل الرئيس بكتاب من وزيرالعدل يخبره بكل أسف بعدول الوزارة عن تعيين  محمد بوشيوك بسيدي ايفني لذلك يتعين انتظار قرار جديد في الموضوع، فلم يكن يتصور قوة نفوذ الجنرال اوفقيرالى حد ايقاف تنفيذ ظهير شريف بهذه السرعة.

عامل يحتقر رئيس محكمة

في سنة 1969 اشرفت السلطات الادارية على الانتخابات وتوجيهها وفق تعليمات وزارة الداخلية، وقدمت في شأنها طعونا مستندة على حجج دامغة الشيء الذي صدر بمقتضاها الحكم بالغاء بعض النتائج فاتصل عامل الاقليم آنذاك وبالهاتف برئيس المحكمة الاقليمية وخاطبه دون حياء بالجملة التالية: "كيف سولت لكم انفسكم الحكم علينا ياسيادة الرئيس"؟ ولم يتركه يكمل كلامه مكتفيا بتأجيل الحديث عن هذا الموضوع الى حين الاجتماع به. فضرب له موعدا بمكتبه بالعمالة فرفض الاستاذ محمد مصلح مشترطا اللقاء به بفندق الاطلس الذي كان آنذاك لشركة الخطوط الجوية الملكية فرفض.
وفي اول لقاء به ابدى اشمئزازه وسخطه على الاحكام الصادرة بالغاء الانتخابات وكان رد فعل رئيس المحكمة محمد مصلح الذي اكد له عدم احقيته انتقاد الاحكام الصادرة عن المحكمة، مثيرا انتباهه اولا الى ضرورة احترام استقلال القضاء كما ينص على ذلك دستور المملكة وثانيا لتحقيق العدل والانصاف الذي انتهك علانية بالتدخل السافر للسلطة المخالف للقانون.

حتى القضايا المدنية لم تسلم

وكشف مصلح في كتابه أن السلطة الادارية اعتادت التدخل في القضايا التي تهمها باصدار تعليماتها مباشرة الى الضابطة القضائية لتكييف وقائع هذه الجرائم حسب هواها دون تنسيق مع النيابة العامة رغم انها كانت تحت امرتها في ذلك الوقت، ومجمل القول فان المحكمة الاقليمية بأكادير استطاعت بفضل جهود  القضاة العاملين بها، واخلاصهم في أداء مهامهم بنزاهة مطبوعة بطابع الحياد، حرصا على استقلال القضاء إن تحقق اهدافها المتجلية في تصفية القضايا، التي كانت معروضة عليها باصدار احكام مطابقة للقانون ومعللة تعليلا كافيا ومقنعا.

وكيل ملك يحكم!

ورد بالصفحة 229 من الكتاب ما كان يقوم به وكيل الملك للمحكمة فيما يتعلق بالقضايا الجنائية، فقد كان تدخُّل النيابة العامة في تدبير وتطبيق اجراءات المحاكمة الجنائية سافرا، لقد كانت تعليمات النيابة العامة تقضي بوجوب اتصال الهيئة القضائية الجنائية بوكيل الملك قبل الدخول الى جلسة الاحكام ليزودها بتعليماته التي قد تتضمن الامر بالادانة او تحديد العقوبة قبل المحاكمة.

بل كان تدخل  وكيل الملك يشمل تركيبة الهيئة القضائية نفسها، إذ كان يعترض بوقاحة على مشاركة أي قاض في هيئة المحكمة بدون موافقته، فيأمر بابعاده عن تشكيلة الهيئة لعدم رضاه عنه أو تشككه في عدم تنفيذ تعليماته.

فاتصل مصلح صاحب الكتاب بوكيل الملك بمكتبه بمحضر جميع قضاة الهيئة الجنائية وابدى له غضبه واحتجاجه أمامهم على تدخله غير القانوني في القضاء الزجري خارج جلسة الحكم لأي سبب كان، خصوصا اذا تعلق الامر بتوجيه القضاة من أجل اتخاذ اجراء يمنع القانون اتخاذه خارج الجلسة وفي غيبة المتهم احتراما لحياد القضاء واستقلاله مذكرا اياه بان النيابة العامة خصم شريف للمتهمين وان كانت جزءا من هيئة المحكمة.

هبة ملكية في مهب الريح!

يحكي الاستاذ محمد مصلح في كتابه قصة غريبة تتعلق بهبة ملكية قدرها الف درهم فقط، كان يتوصل بها القاضي ليدبر بها أمره؛ لأن اجرته لم تكن تتعدى 2500 درهم، لم تكن تكفيه لتأدية الكراء السكني وتدبر أمر ابنائه الثلاثة، وكان المُكلف بايصالها له هو الحاجب الملكي الجنرال مولاي حفيظ العلوي.

ولما توقف إيصال الهبة الملكية لم يعرف سبب ايقافها، فالهبة الملكية لا يمكن الغاؤها الا بقرار ملكي، ورغم الاتصال بالجنرال، والذي بمشقة الأنفس وبعد عدة محاولات كان جوابه صادما لما عرفه قائلا له "بعد مني". الى أن اتصل به مولاي ادريس الأمراني قائلا له : "مالك مْعا الجنرال مولاي حفيظ العلوي"؟ ولما أخبره بالأمر ابتسم رحمه الله قائلا له:: "انس هذه الهبة مادامت كانت تصلك عن طريق مولاي حفيظ ونصحه بنسيان الهبة فزاده كلام الشريف الامراني شكا في صدور قرار بالغاء الهبة الملكية وبذلك قرر دفن هذه القضية خارج الذاكرة".

البصري يحكم بدل القضاء!

يقول مصلح بعد اعفاء وزير العدل الدكتور مشيشي العلمي تم تعيين الدكتور عبد الرحمان أمالو الاستاذ الجامعي بكلية الحقوق بالدار البيضاء ففي الصفحة 281 يقول: لقد تغيرت أحوال وزارة العدل وسياستها رأسا على عقب بمجرد التحاق الاستاذ آمالو بها، حيث اصبحت تابعة لوزارة الداخلية واصبحت تتدخل في القضايا التي تهمها والتي لا تهمها مباشرة ضاربة عرض الحائط بالمبدأ الدستوري المتعلق باستقلال القضاء وبالحياد الذي كان يطبع العلاقة القائمة بين وزارة العدل ووزارة الداخلية منذ الاستقلال. 

ولكي تضمن وزارة الداخلية هيمنتها على وزارة العدل استعدادا لتنفيذ مؤامرتها المشهورة التي اصطنعتها للتخلص من اعدائها الرأسماليين كما اسمتهم بعد رفضهم الانصياع لها وعدم تنفيذ تعليماتها فانتقمت منهم بواسطة وزارة العدل حيث عملت على فبركة ملفات ومتابعتهم بتهريب السلع واستغلال أموال الدولة بتواطؤ مع لوبي تجار المخدرات، فتحركت آلة القمع الجهنمية التي حصدت في طريقها الأخضر واليابس حيث تم القاء القبض على كل من حامت حوله الشبهات المصنوعة والمفبركة من طرف وزارة الداخلية التي وجدت في وزارة العدل في عهد  آمالو آلة طيعة في يدها لتنفيذ تعليماتها تحقيقا لمؤامرتها الدنيئة.

لقد جندت وزارة الداخلية بتنسيق مصطنع مع وزارة العدل جميع امكاناتها لانجاح "حملة التطهير"، كما اطلق عليها آنذاك فتم القاء القبض على جميع العناصر التي قررت وزارة الداخلية تصفيتها وافلاسها وتجندت مديرية الشؤون الجنائية استعدادا لاتخاذ جميع الاجراءات في ملفات الفساد المزعوم المعروضة على النيابات العامة خاصة منها النيابة العامة بالدار البيضاء.

وتمت متابعة عدة شخصيات من أكبر تجار الدار البيضاء وتقديمهم الى القضاء الذي اصدر في حقهم احكاما زجرية مختلفة مع مصادرة السلع المهربة.
وما تجدر ملاحظته في هذا الصدد هو اقتران هذه الحملة مع الحملة التي انطلقت في نفس التاريخ ضد تجار المخدرات لخلق التباس لدى الرأي العام المغربي واعطائه انطباعا موحدا عن جرائم تهريب السلع الممنوعة وجرائم تهريب المخدرات.

لقد انتشرت اشاعات كثيرة في الشارع المغربي بصفة عامة وفي الدار البيضاء على وجه الخصوص حول التجاوزات العلنية المكشوفة التي ذهب ضحيتها عدد كبير من التجار المظلومين كما اتضح وافتضح ذلك بعد ا نتهاء الحملة بعدة شهور.

لقد سيطرت وزارة الداخلية على وزارة العدل في عهد الوزيرآمالو الاستاذ الجامعي وأصبح وزير العدل يعقد شخصيا اجتماعات مع وزير الداخلية ادريس البصري لضمان صدور احكام قاسية نافذة ضد اللوبي التجاري المزعوم.

بالاضافة إلى أحكام المراقبة على المجلس الاستشاري لحقوق الانسان الذي حاول  وزير الداخلية آنذاك اخضاعه لسياسته بعد استسلام وزير العدل رغم انه كان عضوا فاعلا في اللجنة المشرفة على تدبير شؤون المجلس المذكور، وبذلك فقدت وزارة العدل في عهد  آمالو استقلالها في تدبير سياستها في الميدان الجنائي على الخصوص.