خميس بتكمنت

عرف الخطاب الأمازيغي تغيرات إنتقالية في أدوات و آليات  التعامل مع راهنيات المشهد السياسي بعد خطاب 9 مارس 2011 المعلِن عن تعديل دستوري كرد فعل مخزني مباشر عن الزخم الإحتجاجي لحركة 20 فبراير ، لتنقسم الحركة الأمازيغية بعد إستصدار دستور فاتح يوليوز الممنوح من نفس السنة إلى مؤيد للدستور و الداعي للعمل للإنصهار في بوثقة الإنسجام بمسايرة القرارات السياسية المخزنية و العمل وفق الممكن الذي تقتضيه المرحلة دون إيلاء الأهمية لصلب الخطاب الأمازيغي و عمقه التحرري ، فيما ظلت فئة ثانية متمسكة بالمطالب التقليدية للحركة الأمازيغية المتشبثة بضرورة التوافق على نمط الدولة الديمقراطية المرجوة و شكلها ، مدركة أن الإنزال الفوقي للقرار السياسي يتوازى و الشروط المشترطة في العملية الديمقراطية .

لابد من التذكير هنا أن الحركة الأمازيغية ولدت من عمق الحرمان الهوياتي و السياسي للشعب الأمازيغي الذي إعتُبر ذخيلا في المعادلة السياسية الرسمية المفرزة عن شرعية نظامية  مبنية عن إزدواجية العروبة و الإسلام إرتأت إلى نهج سياسات الطمس الهوياتي و الثقافي و الحرمان السياسي للشعب الأمازيغي لضمان سيرورة الدولة ذات النسق العروبي المؤسسة على أرض ليست بعربية بإستغلال أوهام متجذرة في التاريخ الرسمي تمجد سلالات مشرقية و منبنية على الإمتياز العرقي القريشي (النسب الشريف) الذي لازم شكل الدولة المخزنية و نظامها الوليد على طاولة إيكس ليبان الخيانية .
1- وقفة تأمل في واقع الحركة الأمازيغية الآن .

النظر في واقع الحركة الأمازيغية آنيا يقتضي الوقوف وقفة نقد للذات المناضلة و التمعن في مدى قدرتها لتكون قوة ضاغطة و مؤثِّرة في المشهد السياسي بمراعاة شرط مهم و أساسي هو التأكد من لعبها دور الفاعل لا المفعول به سياسيا ، إلا أن الملاحظ و الحق يقال أن الخطاب الأمازيغي بدأ يسقط في شرك إعادة إنتاج الأنماط التقليدية البيانية بطرق حديثة سلسة ، إذ يتم الإقتصار على قوة السيالات البيانية على حساب بلورة أسس نضالية ضاغطة بإستخدام قاموس مفاهيمي مبهم لا يوازي العمل المبلوَر على أرض الواقع الذي يخفي بين ثناياه تهربا إراديا أو لاإراديا من الحسم في مجموعة من الأسئلة الملحّة من قبيل الموقف من النظام السياسي ، الامر الذي يسقط الحركة في تناقض صارخ بين الفعل الملموس و المواقف المعبرة عنها كتابيا فأدبيات الحركة الأمازيغية تلح على إلحاحية الشرط الديمقراطي قبل الخوض في أي نقاش عن التقاربات التوافقية بين الحركة  الأمازيغية و المخزن .

و الشرط الديمقراطي هنا يتنافى مع السقف المطلبي للحركة ، إذ كيف يمكن أن ترفع المطالب إلى نظام سياسي لاديمقراطي قائم على شرعنة التمسك الأحادي بالقرار السياسي الذي سعى و لا يزال إلى حصر الأمازيغية في زاوية التأثيث و الإستئناس بإستخدام ترسانة مخزنية من أجهزة إعلامية و منظومات تعليمية أمازيغوفوبية و تسخير كائنات سياسية تشارك المخزن في إيديولوجيته الإنتمائية من قبيل فلول الإسلام السياسي و أذيال حزبوية عروبية تسعى لمزاحمة الحركة الأمازيغية في تبني مطالبها ، الأمر هنا يقتضي الوقوف عند عدة أسئلة محورية :

- سؤال الموقف من الشرعية المخزنية : الإجابة عن السؤال يقتضي جرأة سياسية و وضوح مفاهيمي بعيدا عن التملص في تحديد المسؤول الحقيقي عن الوضع الآني الذي يعيشه الشعب الأمازيغي ، لكن الملاحظ حاليا هو تهرب الفاعلين الأمازيغين ( الفاعل هنا من داخل نسيج  الحركة الأمازيغية لا غير ) من تسمية الأسماء بمسمياتها و هو تراجع صريح عن العمق المطلبي المؤسِس للحركة الأمازيغية التي إعتبرت النظام المخزني خصما استراتيجيا و المقصود بالنظام هنا هو المستحوذ على السلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية و في يده سلطة تغيير سياسات الدولة جذريا أي هو المؤسسة الملكية المنبنية على شرعية تتنافى مع خصوصيات المجال الجيوسياسي الامازيغي ، إذ القول ان الحركة الامازيغية هي إمتداد لفكر المقاومة و جيش التحرير يتنافى مع إعتبار النظام المخزني شريكا في اللعبة السياسية و هو المسؤول عن إستقدام القوى الإستعمارية و العامل على إخماد شرارة المقاومة و المُقزم لها في تاريخه الرسمي ، ثم إن القول أن الحركة الأمازيغية حركة ديمقراطية يقتضي إعطاء موقف صريح من شكل الدولة الآنية التي تقصي الرجوع للشعب كقاعدة و مصدر القرار السياسي و تكتفي بإنزال القرارات دون الأخذ بعين الإعتبار متطبات الشعب و طموحاته المطلبية و خصوصياته المجالية .

- سؤال النقد الذاتي : صحيح أن الحركة الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة في كشف الغطاء عن المتناقضات التي إنبنى عليها النظام المخزني و تسليط الضوء على التعامل الإزدواجي القائم على التعميم و الطمس تجاه كل ما يمت بصلة للأمازيغية في ظروف عمل متشابكة و معتمة كانت في اوج مراحل سنوات الرصاص ، و صحيح أيضا أن الخطاب الأمازيغي إستطاع تنوير العقل الأمازيغي و كشف اللبس عن ألغام التاريخ الرسمي بالإعتماد على المقارعة و المحاججة و الإستدلال ، لكن مع تغير ظروف العمل السياسي الآن وجب على الحركة الامازيغية مراجعة حساباتها النهجية و النسقية و الخطابية لإستخلاص أدوات عمل جديدة و بلورة تصور يضع في عمقه المتغيرات الحاصلة بعيدا عن سيكولوجية الإستعلاء و النفخ في صدر الذات المناضلة بغض النظر عن الأخطاء و الهروب إلى الأمام لتأجيل المحاسبة الذاتية ، إذ أن المرحلة تقتضي إيلاء الاهمية للحشود المتبنية للطرح الأمازيغي و الأخذ بعين الإعتبار لكل الرؤى دون تمايز مسبق لتفادي السقوط في شرك إعادة إنتاج القطيع بطرق أمازيغية بنفس المواصفات العملية التي عرفها  التيار المتياسر في السبعينات و الثمانينات ، و أول الخطوات العملية هي العمل  لتكون الحركة الامازيغية اداة ضاغطة لتحقيق هوية الدولة الأمازيغية بعيدا عن تملصات المخزن و الإستئناس بالأمازيغية و إعتبار الشعب الامازيغي جزء من الكل و ليس محورا دولتيا و حصر الإستجابة الرسمية في دساتير ممنوحة متعاقبة .
2- حول التهافت على مطلب الإسراع بإصدارالقانون التنظيمي الخاص بالأمازيغية .

من حيث الشكل ، فإن دستور 1 يوليوز 2011 هو دستور ممنوح لاديمقراطي لم يستوفي الشروط المعمول بها في صياغة الدساتير الديمقراطية و جاء كمحاولة مخزنية للخروج من أزمة الحراك الشعبي ، أي هو  رد فعل إنهزامي مهد لتغيير النسق السياسي مظهريا و لكنه حافظ على ثوابت الدولة المخزنية القائمة على العروبة و تكريس التمايز السلبي تجاه إيمازيغن كما حافظ على الدونية التي تنظر بها الدولة تجاه الامازيغية ( عدم جمع العربية و الامازيغية في فقرة واحدة و عطف الامازيغية على العربية في الفصل الخامس و إستخدام ضمير "أيضا" الذي يفيد الإلحاق ) ، و من حيث الشكل أيضا فالوثيقة الدستورية المعنية جاءت إفرازا فوقيا لم يراعي عنصر الإستناد للشعب كقاعدة هي من يبث في شكل النسق السياسي المرجو و حيثياته ، و من حيث المضمون فإن وتيرة الوثيقة لن تستطيع تذويب هوة الاحادية الممنهجة في الإستصدار السياسي  و الشكلنة التشريعية بإعتبار ان جميع الأطياف السياسية المؤثثة للمشهد السياسي تم إستحداثها و صنعها في دهاليز المطبخ السياسي الرسمي ( الأحزاب ، النقابات ، المجالس العليا ، المجلس الدستوري أيضا ) ، كل هذا يوحي أن لا شيء تغير في الرغبة المخزنية من الخطو خطوات إلى الممارسة الديمقراطية بقدر ما تسعى إلى تخفيف الإستبداد و تلطيفه آنيا لتحصين ثوابت الدولة ، لذلك فكل الدعاة للعمل وفق الممكن الآني الراهني يساهمون في تأجيل تحرر الشعب و يشاركون المخزن في إثم تعميم السفسطية السياسية القائلة بالإنفراج السياسي و الإنتقال الديمقراطي اللذان لا يوجدان إلا في جمل منمقة حيكت بدقة متناهية .

و بخصوص الدعوات الأخيرة من قِبل مجموعة من الفعاليات و الأطياف المحسوبة على الحركة الامازيغية التي تعمل على جمع توقيعات و إستصدار بيانات تطالب بضرورة تعجيل إستصدار القانون التنظيمي فبعملها هذا لا تختلف في شيء عن مساعي ورثة الإيديولوجية السياسية لما سمي بالحركة الوطنية ، فكلاهما يسعى لتغييب الديمقراطية و توتيد الإستبداد الناعم و توطيد الأمر الواقع الذي يتحكم فيه المخزن وحده لا شريك له ، فمعانقة الديمقراطية لا تحتاج لحل وسط فإما ان تكون ديمقراطية كاملة تستوفي الرجوع للشعب كقاعدة و تراعي الإثنوغرافيا الخصوصية للشعب و إما فما دون ذلك هو تطبيل للإستبداد و إنصهار في بوثقته .

أما فيما يتعلق بدعوات ملغومة بتحميل مسؤولة الوضع الآني للأمازيغية لحزب القنديل السياسي ، فهي خطوة استباقية لتعبيد الطريق لمعارضة بامية-إستقلالية و محاولة مفضوحة لتبرئة المتسببين الحقيقيين في طمس الأمازيغية و المساس بها فتاريخ العداء للأمازيغية يتجاوز عمر العدالة و التنمية بل و يتجاوز عمر النظام السياسي القائم ، و في المحاولة  رغبة دفينة في عدم جرد العلل الحقيقية المتسببة في الوضع الراهن ، فالحركة الامازيغية كانت واضحة  في خطابها تجاه الاحزاب إذ إعتبرتهم مجرد دكاكين سياسية مستصنعة و مفعول بها ، و راهن الامازيغية اكبر من حصره في دكان سياسي من الدكاكين فكلها (الاحزاب) تلتقي في نقطة المرجعية الإيديولوجية التي إستمدتها من خطاب ما يسمى بالحركة الوطنية المنبنية على أسس أرسلانية ليوطية هندِست بدقة في البطحاء قبل أن تستغل ظهير 16 ماي 1930 لتخرج للعلن ، و على هؤلاء أن يختاروا وجهة غير الحركة الأمازيغية لتسريب هكذا ترهات سياسية ، فلا زالت الديمقراطية مطلبا شعبيا و لا يزال الإقرار بهوية الدولة مدخلا لممارسة ديمقراطية تتمحور على الشعب و ليس على فلول الدخلاء و احفاد المتخرجين من مدارس الحماية و المهرولون حولهم المستخدمين للأمازيغية كوسيلة إسترزاق سياسي للظفر بغنائم سياسية على حساب توتيد القهر و التسلط الممارسين ضدا على الشعب الأمازيغي ، فالمطلب الراهني هو إسقاط الدستور الممنوح و دسترة الامازيغية في دستور ديمقراطي شكلا و مضمونا يقر بهوية الدولة الامازيغية الديمقراطية و العلمانية .