حميد المهدوي ـ في وفاة باها، تتفاعل فرضيتان متناقضتان حد تناقض الشيوعية والأديان، أو رأسمال والعمل.

تفيد الفرضية الأولى أن الوفاة قضاء وقدر، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية السابق سعد الدين العثماني، في تصريح للموقع، حين قال: "ما من أحمق سيفكر في تعمد قتل عبد الله باها"، مستندا في روايته على كون" باها، كان "رجلا مسالما، طيبا، لدرجة أنه لو طلب منه أحد معطفه فلن يتردد في خلعه"، على حد تعبيره.

وترجح الفرضية الثانية، كما تابع الموقع على العديد من التدوينات والتعاليق الواردة على الأخبار الخاصة بوفاة باها، في العديد من المواقع الإلكترونية، وجود عملية "اغتيال" وراء وفاة الفقيد.

ومن المؤكد أن القضية موضوع تحقيق، وليس من حق أي جهة كانت استباق الأمور قبل اعلان النتائج النهائية لهذا التحقيق، الذي بدأت  ملامحها الأولى  تظهر، من خلال بلاغ وكيل الملك للدار البيضاء، لهذا سنكتفي بسرد بعض المعطيات من باب اعادة تركيب الوقائع.

أولا، كل إنسان في الحياة، حاكما كان أو محكوما، فقيرا أو غنيا، معرض لأن يلقى حتفه بأغرب الطرق، فقد توفي ملك السويد أدولف فريدريك عام 1771 وهو يستمتع بوليمة فخمة تتكون من المأكولات البحرية، نتيجة الأكل الكثير الذي تناوله، في وقت كان فيه جسمه سليما ولا يعاني من أي مرض أو علة. بل وتفيد رواية مصرية أن سيدة بالقاهرة، تناولت كوب ماء بارد، قبل أن تكتشف به نملة، فسارعت لشرب سائل دون أن تنتبه إلى أنه مبيد حشرات، فأرداها قتيلة، واللائحة طويلة على مثل هذه الوفيات الغريبة في الحياة.

ثانيا، بخلاف تصريح العثماني، كل إنسان معرض لـ"لقتل" حتى ولو كان مسالما وطيبا، فالقاتل قد يظهر في حياة "الضحية" لمدة خمس دقائق فقط ويرديه قتيلا، وقد تكون بينهما حسابات عالقة، وقد لا تكون، إما في محاولة من الجاني لسرقة "الضحية" وسلبه ممتلكاته، وإما بعد خلاف بينهما حول من له أولوية في قضاء مصلحة في إدارة أو أحقية في مقعد في قطار أو عربة.

ثالثا، كيف تستمر بحيرة لحد الساعة تحت القنطرة، وهي التي أزهقت روح الإتحادي أحمد الزايدي؟ كيف تستمر والملك ومستشاروه ورئيس الحكومة ووزير الدولة نفسه والسلطات المحلية ووزير الداخلية ووزير التجهيز والنقل والمدير العام للسكك الحديدية والقائد العام للدرك والعالم يعلمون أنها سبب وفاة الزايدي؟

رابعا، على الدولة أن تنتبه إلى الاهتمام الكبير الذي أولاه المغاربة لوفاة باها وقبله الزايدي، بما يفيد أن الشعب والنخبة معنية بما يجري حين تكون الأمور جدية وتتعلق بحياة سياسيين جديين كالراحلين باها والزايدي.

خامسا، جميل أن يواسي المغاربة أسرة باها وعائلته الحزبية ويلتفتوا لهذه القضية، لكن الأجمل أن يبقوا مواسين وملتفتين أكثر لضحايا الفياضانات، فأكثر من خمسين أسرة فقدت كبدها وعشرات المنازل هُدمت، وأصحابها بلا مأوى لحد الساعة.

سادسا، أستبعد أن تنخرط،  ما توصف بـ" الدولة العميقة" في أي محاولة متهورة، كما يلمح لذلك عديدون، حتى وإن وُجدت جهات منزعجة جدا من التقارب الكبير الذي أصبح بين "العدالة والتنمية" والقصر، والذي يعود فيه الفضل الكبير لعبد الله باها، المعروف بدفاعه المستميت عن الملكية والتحالف معها تحت أي ظرف سياسي كان.

رحم الله باها والزايدي وضحايا الفيضانات و"بوركون" وألهم الله الباقين من المسؤولين ذكرى الموت في كل وقت وحين، لعل وعسى أن يتقوا الله في هذا الشعب المسكين...