قررت المحكمة الابتدائية في مكناس، يوم الاثنين 27 يوليوز، النطق بالحكم في حق الزميل حميد المهدوي، رئيس تحرير موقع "بديل. أنفو" يوم 10 غشت المقبل، بعد أن شهدت جلسة اليوم مواجهات عنيفة بين رئيس الجلسة ودفاع المهدوي، اضطرت القاضي إلى رفع الجلسة، قبل أن يستأنفها من جديد.

وكان ما "فجر" المُواجهات بشكل أعنف، بين القاضي و الدفاع هو حين توجه القاضي إلى المتهم سائلا إياه، بعد مشاداة طويلة مع السباعي: هل تتشبث بهذا الدفاع (ويقصد السباعي) لتثور ثائرة اعضاء هيئة الدفاع، قبل أن ينخرطوا جميعا في صراخ صاخب وعنيف، حيث ظل الحبيب حاجي يصرخ "والعداو أعباد الله، الرئيس كيحرض موكلنا ضد الدفاع" فيما صوت السباعي يهز القاعة وهو يشير بأصابعه إلى القاضي "دابا كتْحرض علي الموكل ديالي باش يسحب توكيله لي"، بينما أبدى المحامي الدويري تصريحا طريفا حين دعى القاضي إلى اصدار حكم باسم الملك يقضي بعزل السباعي وآنذاك سينضبطون له.

ظل القاضي ينظر إلى وجه الزميل المهدوي وهو ينتظر منه أن يطلب من السباعي عدم الدفاع عنه فكان رد الزميل المهدوي، بعد أن استنتج من كلام القاضي وكأن الأخير يقول له "تخلا عليه ولا نكزرك" "، كيف أتخلى عن رجل استيقظ في الساعة السادسة صباحا وضحى بحقه في النوم و بقضاياه وجلساته التي قد تكون عائداتها بالملايين، ورافقني من الرباط إلى هنا، لو خيرتني بين الحكم علي  بعشر سنوات والتخلي عن السباعي أو أي عضو من هيئة دفاعي لقبلت بالحكم بدل التخلي عن أحدهم"، كان الزميل المهدوي يقول هذا  وهو يتأمل وجه السباعي  ينشرح ويتفتح كما تتفتح زهور الربيع".

لم تهدأ الأجواء سوى لحظات قليلة جدا حتى عاد الصراخ ليعم القاعة، بعد أن شعر الحبيب حاجي بنوع من الاستفزاز من طرف القاضي بسبب ضرب الأخير بقلمه على المنصة الخشبية، الأمر الذي جعل الحبيب يخاطب القاضي " ما طقطقش علي.. ما طقطقش علي" وفي وقت ظل فيه القاضي يطقطق بقلمه دون توقف ظل الحبيب يردد بتوازي مع سلوك القاضي " ما طقطقش علي ما طقطقش علي" وهو مشهد دام لقرابة عشر دقائق تقريبا أو يزيد، حتى بدا الاستياء واضحا على الجميع بما فيهم النيابة العامة التي انخرطت في محاولة لتهدئة الوضع، وصلت حدود التوجه إلى المتهم وحمله على إسكات دفاعه، غير أن الأخير واصل دون توقف لدقائق طويلة " ما طقطقش علي ما طقطقش علي" في وقت ظل فيه القاضي يطقطق بدوره دون توقف.

السباعي "سيُفجر" الجلسة مرة أخرى، حين عرج على تقرير للكونغرس الأمريكي سبق وأن أشار إلى أن القضاة المغاربة عبارة عن "شبكة تابعة" لوزارة الداخلية، فتدخل القاضي محاولا مقاطعته، لتثور ثائرة السباعي، وفي كل كلمة يقولها تقريبا يستدير القاضي جهة كاتب الضبط ويقول له "سجل... يقول كذا وكذا...." وهنا انتفض المحامي الدويري، محتجا بقوة على املاء القاضي على كاتب الضبط، موضحا أن الأخير جهاز مستقل عنه، وليس من حقه، أن يملي عليه ما يريد تدوينه، وهو نفس الموقف الذي عبر عنه حاجي؛ حيث انتقد بشدة املاء القاضي لبعض المقتطفات من مرافعات الدفاع، منتقدا بشدة كذلك محاولة ما وصفه حاجي تحريض القاضي لموكله على الدفاع في محاولة لعزل السباعي، وهنا قال القاضي لحاجي "سمع آولدي"، الأمر الذي أجج عاصفة من الغضب في نفس حاجي، ليرد عليه "لا يشرفني أن تكون با" معتبرا قول القاضي ذاك إهانة بليغة في حقه، خاصة وأن القاضي يبدو صغيرا جدا في السن عن حاجي، ليتدخل الزميل المهدوي، وسط صراخ عنيف وغير منقطع وسط القاعة، حيث أوضح للهيئة أن كلام السباعي تزكيه الحكومة في شخص أغلبيتها البرلمانية، مستحضرا تصريح البرلماني عن حزب "العدالة والتنمية" عبد الصمد الإدريسي، حين قال إن القضاة يتلقون التعليمات، مؤكدا على وجود قضاة شرفاء ونزهاء، الأمر الذي جعل القاضي يرفع الجلسة، بعد أن ظل يرفض رفعها في أكثر من مناسبة، خاصة حين طالب السباعي وحاجي بحضور نقيب المحامين بمكناس.

استُأنفت الجلسة من جديد، بعد أن اتهم القاضي المهدوي بتسجيله وتسجيل مرافعات الدفاع بواسطة هاتفه قبل الحجز على هاتفيه، اللذين لم يستعيدهما إلا بعد انتهاء الجلسة. ورغم انقلاب القاضي رأسا على عقب خلال الشوط الثاني من الجلسة غير أن السباعي أعلن انسحابه من المحاكمة، مباشرة بعد أخذه للكلمة، احتجاجا على ما اعتبره سوء معاملة، ليتدخل المحامي الدويري؛ حيث أوضح أن الأسلوب الذي أُديرت به الجلسة لا تتوفر فيه شروط المحاكمة العادلة، عن طريق مقاطعة الدفاع واستفزازه واملاء القاضي لبعض مقاطع المرافعات كلمة بكلمة على كاتب الضبط، ليقرر الانسحاب من الجلسة، قبل أن يتدخل الحبيب حاجي، ويسأل عن تقرير الخبرة التقنية، المنجز من قبل تقنيي فرقة مسرح الجريمة، وقد سبقه إلى ذلك المحامي صبري الحو، ليفاجأ الجميع بأن هذا التقرير غير موجود ضمن وثائق الملف المدلى بها من طرف المشتكي والي جهة مكناس تافيلالت والنيابة العامة، حيث جرى فقط الإشارة إلى هذا التقرير للخبرة في محضر الشرطة دون تمكين القاضي منه ولا أي طرف معني بالمتابعة، الامر الذي ترك علامة استفهام كبرى حول مدى جدية هذه المتابعة، بحكم أن هذا التقرير هو أهم وثيقة في الملف يمكن أن يستند عليه المشتكي ووكيل الملف في المتابعة.

حاجي وقف عند عبارات التهمة "نشر خبر زائف ومعطيات غير صحيحة بسوء نية بغاية إثارة الفزع وسط المواطنين، واصدار جريدة دون ترخيص"، موضحا أن نشر خبر زائف ومعطيات غير صحيحة يقضي بأن تكون المعطيات الواردة في مقال "بديل" لا أساس لها من الوجود في الواقع، في حين أن تقرير الشرطة بنفسه يؤكد احتراق سيارة عن كاملها وهو الأمر الذي تحدث عنه الموقع، موضحا حاجي أن الاختلاف ربما يكون حول عبارة "انفجار" هل حصل أم لم يحصل، وهو ما وقف عنده طويلا المحامي صبري الحو، الذي أكد للمحكمة أنه وقع 20 انفجارا وليس فقط انفجار واحد، مشيرا إلى انفجار أربع عجلات وحاويات الماء والوقود وزيت الفرامل وغيرها.
وطالب صبري المحكمة بتعيين خبير للنظر عما كان هناك انفجار أم لم يكن، موضحا أن تقرير الشرطة مجرد استنتاجات، وليس معاينة، لأن الأخيرة تكون آنية، أما ضباط الشرطة فقد جاؤوا لاحقا إلى مكان الحادث.

حاجي أوضح للمحكمة أن الأخذ بجريمة نشر خبر زائف لا يمكن أن يتم إلا بتوفر عنصر أساسي وهو أن يحدث هذا الخبر فزعا بين الناس، موضحا أن هذا الفزع لا يمكن الحديث عنه إلا بوجود عنصر أساسي وهو أن يكون هناك مواطنون مشتكون والحال أننا امام شكاية صادرة عن والي فقط ولا أثر لأي مواطن متظلم أو مشتكي.

حاجي نفى أن تكون سوء النية هي الخلفية لدى موكله عند كتابة الخبر مذكرا هيئة المحكمة كيف غامر موكله في الجلسة السابقة واقترح بان يتصل حالا وأمام الجميع بوزير الاتصال ليؤكد للمحكمة أن الاخير لا يرد على هاتفه، حين يتصل به لأخذ رأيه في الأحداث التي تقع في المغرب، متحسرا حاجي على عدم استجابة المحكمة لطلب موكله، علما أنه وسيلة من وسائل إثبات حسن نيته.

حسن النية لدى المهدوي بالنسبة للحبيب حاجي تجسد أيضا في اتصال موكله بالمصادر الرسمية المحلية وكذا بنقله لخبر عن مواقع عديدة موثوقة، موضحا أن موقع "بديل" لو جاء يتحدث عن انفجار في وقت تتحدث فيه المواقع الأخرى فقط عن حريق آنذاك يمكن الحديث عن سوء نية، أما وأن الجميع سبقه للحديث عن انفجار فإنه ليس هناك أي سوء نية، موضحا أن عدم متابعة المواقع الأخرى يعني أن النيابة العامة تعتبر ما نشرته تلك المواقع هي معطيات صحيحة.

وأشار حاجي إلى أنهم غير ملزمين بإثبات حسن النية؛ موضحا أن النيابة العامة هي الجهة المطالبة بإثبات وسيلة غياب حسن نية لدى موكله، وهو الأمر الذي لم تثبته أبدا النيابة العامة التي اكتفت بتقديم مرافعتها السابقة إلى رئيس الجلسة على شكل مذكرة كتابية.

وبخصوص تهمة "اصدار جريدة بدون ترخيص" أشار حاجي وصبري الحو إلى غياب قانون ينظم الصحافة الإلكترونية، موضحين بأن الفصلين خمسة وسبعة من قانون الصحافة يتحدث عن كائن آخر يسمى الصحافة الورقية خاصة وأن الفصلين يتحدثان عن المطبعة والتوزيع، في حين يوضح حاجي بأن موكله يدير موقعا وليس جريدة لأن الأخيرة في قاموس العرب هي تلك السعفة التي تقتلع من الشجرة، وبالتالي فتهمة "اصدار جريدة بدون ترخيص" يعني الجريدة الورقية وليس موقعا الكترونيا.

وفي كلمته الأخيرة عاد الزميل المهدوي ليزكي تصريحات دفاعه السباعي حول وجود قضاة مزورين للأحكام في طنجة والدار البيضاء من خلال قضية المستشار بنسعدون والمواطن حسن نجيم الذي نشر الموقع بخصوصه محضري جلسة أحدهما أصلي والآخر مزور.
وبخصوص محضر الشرطة أوضح المهدوي لهيئة المحكمة أن الشرطة ليست جهازا مقدسا ولا كلامها قرآنا، مستحضرا كيف نفت الإدارة المركزية للمديرية العامة للأمن الوطني أن تكون شرطة القنيطرة اقتحمت منزل صحافي قبل أن يظهر شهود على شريط فيديو يؤكدون أن الشرطة فعلا اقتحمت المنزل، مستحضرا أيضا بيان نفس الإدارة حول خبر يتعلق بما راج حول "اعتداء" شرطي على تلميذ في تيفلت قبل سقوطه مغميا عنه داخل مفوضية الشرطة وفقا لرواية المركز المغربي لحقوق الإنسان، لكن بيان مديرية الأمن نفى أن يكون التلميذ تعرض لأي اعتداء ولا اغماء قبل أن يتوصل الموقع بشهادة طبية تؤكد عجز التلميد لمدة 21 يوما، بل وتوصل بصور تؤكد تعرض التلميذ للضرب، دون أن تعقب المديرية لحد الساعة عن هذه الشهادة ولا عن الصور ولا عن شهادات المواطنين لفائدة الصحفي الذي جرى اقتحام منزله في القنيطرة، ما يرجح أن شرطتي القنيطرة وتيفلت، قد تكونان كذبتا على الإدارة المركزية لمديرية الأمن.

وأوضح المهدوي لهيئة الحكم أن التدخل في جهاز الشرطة المغربية قائم بشهادة رئيس الحكومة الذي قال في شريط فيديو إن زعيما سياسيا ظل يسب ويشتم الوكلاء العامين للملك والمدير العام للأمن الوطني، دون أن يبث القضاء في هذه التصريحات الخطيرة، ما يجعل تصريحات رئيس الحكومة صحيحة، وبالتالي امكانية تدخل هذا المسؤول السياسي أو غيره في جهاز الشرطة وتوجيهه قد يكون أمرا واردا، مستحضرا المهدوي أيضا أمام المحكمة، تصريحا لرئيس الحكومة اتهم فيه مستشارا ملكيا بإدخال مسؤول حزبي إلى الحبس، ظلما وعدوانا، وهو جامع المعتصم.

المهدوي أوضح أن وزير العدل والحريات عبر له عن حقده عليه بشكل واضح وجلي حين نفى في اتصال هاتفي معه "ان يكون هناك موقع في المغرب اسمه "بديل"، داعيا هيئة المحكمة إلى التأكد والتحري في هذا الأمر من خلال محرك البحث في الموقع، متسائلا :كيف تُأتمن نيابة عامة على متابعته في وقت يعبر فيه رئيسها عن كرهه له بشكل واضح وجلي.

المهدوي اعتبر متابعته على خبر نقله عن مواقع أخرى دون متابعة الأخيرة "عار" كبير، موضحا أن مثل هذه المتابعات قد تفقد الملك هيبته وشرعيته، مادام يقول "المغاربة عندي سواسية" فيما موظفيه ومرؤوسيه يمارسون سياسة لا علاقة لها بتاتا بهذا التصريح الملكي، الأمر الذي قد يجعل المغاربة يفقدون ثقتهم في الخطب الملكية.

وأوضح المهدوي أن القاعدة القانونية الأولى هي "التجريد والعمومية والمساواة" وأنه لا قيمة للقضاء والمؤسسات والدستور إذا جرى استهداف البعض وأطلق العنان للبعض الآخر، موضحا أن دولة الحق والقانون تبنى أساسا على مساواة جميع المواطنين أمام القضاء.

وهاجم المهدوي بشدة والي جهة مكناس تافيلالت، موضحا أنه حتى إذا تمت مجاراة هذا الوالي في مزاعمه بكون الخبر أحدث فزعا بين الناس، فإن الضرر لم يقع عليه وإنما على مواطنين من مكناس وغيرهم وبالتالي الضحية هو كائن عام، الأمر الذي يمنع بشكل قطعي على الوالي بأن يتنازل عن حق عام لفائدة مواقع إلكترونية ومقاضاة فقط موقع الكتروني بعينه، موضحا أن الوالي لو سرقت سيارته او هاتفه الشخصيين لكان من حقه أن يقاضي هذا ويسامح ذلك، وحيث أن الفعل يعني المواطنين قاطبة فإنه ليس من حقه الانتقاء في المقاضاة وإلا جاز الشك في أنه تلقى عمولات مالية ممن سامحهم أو تربطه بهم مصلحة ما قد تكون فقط معنوية، وهو نفس الأمر مع النيابة العامة التي باسم سلطة الملاءمة تغاضت عن أصحاب الخبر وقررت متابعة من نقل فقط خبرا عن أصحابه.

واستهجن المهدوي بشدة حديث النيابة العامة في متابعتها عما وصفته بـ"سوء النية" متسائلا باستغراب كيف أفكر بسوء نية وأنا على علم بوجود سجون وقضاء وسلطات تقتفي جميع أخبار الموقع؟ وأوضح المهدوي بأن سوء النية ثابتة لدى النيابة العامة ووالي جهة مكناس تافيلالت اللذين استهدفاه دون غيره.

المهدوي أقسم بأغلظ الأيمان لهيئة الدفاع بأن ضابط شرطة من المحققين معه قال له "بأن والي الجهة لا يعرف موقع بديل وبأنه عين حديثا وبان جهة هي من قدمت له الشكاية ووقع عليها، وربما دون معرفة لمضمونها"، مشيرا المهدوي إلى امتلاكه لتسجيل صوتي يشير إلى حديث موظف بولاية الأمن عن وجود انفجار لسيارة في الحي المذكور.

المهدوي قال في آخر كلمة لها "سيدي الرئيس مع كامل احترامي لك المحاكمة سياسية بامتياز أرجو الله أن تستطيعوا مقاومة الضغوط التي تمارس عليكم، كما نرجو الله أن تكونوا تلك الشمعة القضائية بعد أن بدأ اليأس والإحباط يتسلل إلى نفوسنا أمام مايجري في هذه البلاد السعيدة، خاصة حين يموت صحفي ثانية بثانية فقط من أجل شهادة سكنى، سيدي الرئيس المهدوي ليس له مشكلة مع الملك ولا مع الصحراء ولا الحموشي ولا أي مسؤول آخر، بل يحيي الأخير على أسلوب التوضيح الذي ينهجه بدل اللجوء إلى القضاء كما كان يفعل سلفه بوشعيب أرميل ما خلف ضررا كبيرا على صورة البلاد والمؤسسات بما فيها المؤسسة الملكية، ولكن مشكلة المهدوي مع عصابة في البلد لا ترى مصلحتها في استمرار موقع "بديل" لهذا تحاول الإجهاز عليه بكل السبل والطرق.