حميد المهدوي ـ قبل أسبوع تقريبا، كتب أحدهم على موقعه الإلكتروني، عنوانا جاء فيه: "لهذه الأسباب هجرت تالين زوجها زكرياء المومني". وعندما اعتقل الزميل علي أنوزلا، سنة 2013، كتب موقع إلكتروني آخر: "عاجل..اعتقال الكلب علي أنوزلا" ولازال هذا العنوان، موجودا، على الشبكة العنكبوتية لحد الساعة، لمن أراد أن يتأكد بنفسه، من خلال محرك البحث غوغل.

وحين تتأمل هذين العنوانين الأخيرين، وتتأمل حلقة جامع كولحسن الأخيرة، وما صدر خلالها من عبارات سب في حق أشخاص غائبين عن الحلقة، ثم تتأمل ما يُكتب على نفس هذه المواقع الإلكترونية وبعض الجرائد الورقية، ضد "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" و"العدل والإحسان" و"النهج الديمقراطي" و"الحزب الإشتراي الموحد" وغيرهم ممن يعارضون سياسة النظام المغربي، تشك بوجود سياسة ممنهجة ضد من يعتبرونهم خصوما وأعداءً، قوامها هذه السياسة النيل من شرفهم وشخصهم، عبر استهداف حياتهم الخاصة.

الحلقة الأخيرة من برنامج "مباشرة معكم"، تسيء بكل المقاييس، لسمعة المغرب، خاصة لـ"مؤسسة إمارة المؤمنين" ودولة الإسلام، التي ينص عليها الدستور المغربي، كما تسيء لصورة المغاربة، كشعب متسامح وخلوق، بل وتسيء أكثر لقضية الصحراء، ولحد الساعة لم استوعب ما سمعته على هذه القناة، لدرجة أني لازلت أتساءل: كيف يسمح المسؤولون عن القناة الثانية والضيوف، الذين هم صحافيون ياحسرة، بأن يسبوا مواطنين مغاربة غائبين، اتفقنا أو اختلفنا معهم، بعبارات من قبيل "نصاب ومحتال" و"حثالة" و"التافهين".

مؤسف جدا، أن يسقط زملاء، كنا نعتبرهم هامات صحافية مغربية، في كل هذا المستنقع الأخلاقي، خاصة الصحافي جامع كولحسن؛ أولا، بحكم مسؤوليته كصحفي في إدارة الحلقة، وثانيا لكونه ظل لسنوات، يقدم دروسا في معاهد الصحافة عن أخلاقيات المهنة، التي من أبجدياتها عدم سب شخص في غيابه، وإلا اتهم الصحفي بالانحياز و الترويج لرواية معينة.كما هو مؤسف جدا أن يسقط مدير يومية، بحجم يومية "الصباح" عبد المنعم الديلامي، وهو دكتور وأستاذ جامعي، ياحسرة، وكذا الصحفي الشهير كمال نعيم، بل ويسقط اتحاديان من حجم حميد برادة، وعبد الحميد الجماهري، في كل هذه الورطة الأخلاقية، مهما كانت الخلفيات الوطنية، التي تقف وراء ما صدر عنهم.

والمؤسف أكثر أن هذا الانزلاق الأخلاقي جرى عبر إعلام عمومي، يفترض فيه أن يكون مركزا من مراكز التنشئة الإجتماعية وتهذيب سلوك المواطنين وتقويمه.

تكسب الدول "العاقلة" اليوم معاركها بالدبلوماسية والتركيز على الخطاب الانساني والحقوقي، لا بالسب والتجريح وخلق مواقع إلكترونية وجرائد ورقية للنيل من أعراض المواطنين مهما كانت الأسباب والدوافع، فهل بعبارات مثل "حثالة" و"تافه" و"نصاب ومحتال" يمكن لعاقل في العالم أن يقف مع المغرب ضد أديب أو المومني أو غيرهما، هل بمثل هذه الخطابات سنربح قضايانا السيادية، ونحن على مشارف منعطف تاريخي خطير، يهم قضيتنا الأولى وهي الصحراء؟ هل بمثل هذه البرامج وهذه النخب الصحافية سنكسب الرهان والتحدي؟ ألا نعطي مصداقية أكثر للخصوم؟

يقول الفيسلوف الفرنسي الشهير "باسكال بليز" "الإنسان هو الأسلوب"، وتفيد رواية دينية، أن "يهوديا" "بصق" على رسول الله، فحاول صحابي قتله، ولكن الرسول نهاه عن ذلك وعفى عنه، فتأثر اليهودي بسلوك الرسول، فدخل الإسلام. فما الذي منع الضيوف من التروي بقليل من الحكمة في خطاباتهم، كالقول إن فرنسا وظفت المومني أو اديب في أجنداتها ومصالحها الخاصة، إن كانوا يعتقدون بذلك، بدون سب ولا تجريح في حق المعنيين؟

هل كان بالضرورة أن يوظفوا عبارات "النصاب والمحتال"، و"الحثالة" و"التافهين"؟ ثم ما الذي منع منشط الحلقة أن يدعو الغائبين إلى الحلقة، ولو على سبيل رفع الحرج، أو استدعاء دفاعهم للسماع لروايتهم؟ ولماذا لم يستدع من يوصفون بـ"ضحايا" المومني للحلقة أو يمروا فقط لدقيقة او دقيقتين في تقرير، كما تفعل القناة في العديد من المناسبات مع مواضيع أخرى؟ من حق كل شخص أن يغار على وطنه ويدافع عنه ضد كل من يعتقده يسيء إليه، لكن ليس بإساءة أكبر عبر استغلال قناة عمومية، وليس بالسب والتطاول على الحياة الخاصة للناس، والتجريح في أعراضهم، بل بعرض الحقائق والإثباتات التي تزكي الاتهامات.

قد يكون المومني أو أديب أو غيرهما تصرفوا في مناسبات عدة بطرق غير مسؤولة، واستعملوا بدورهم الكلام النابي في حق رموز سيادية في البلاد، وهذا أمر غير مقبول و مرفوض أخلاقيا، مهما كانت حججهم، مادام هناك قضاء مغربي أو دولي، لكن المثير وغير المقبول أكثر أن يتم سب غائبين، عبر الإعلام العمومي، ومن طرف صحفيين يفترض أنهم ليسوا لسان حال السلطة !

وهل نسي الصحافيون ومُعد البرنامج، قول القرآن"وجادلهم باللتي هي أحسن"، وهل نسي المذكورون أيضا من كان الوالي محمد العظمي الشهير بعمر الحضرمي، الذي أشرف على جلد العديد من الجنود المغاربة المأسورين؛ حين كان قائدا في جبهة "البوليساريو"، قبل أن يصبح واحدا من المراجع الوطنية في المغرب؟ بكلمة، الحلقة الأخيرة من برنامج "مباشرة معكم" تضع "الهاكا" ووزير الإتصال ورئيس الحكومة باعتباره، رئيسا لمجلس إدارة القناة في ورطة، بل وقدمت صورة سلبية جدا عن المغرب، كما أن هذه الحلقة ستبقى وصمة عار على "جبين" الضيوف الصحافيين وخاصة على "جبين" مسؤولي القناة الثانية.