شكلت النخبة المثقفة عبر تاريخ البشرية العمود الفقري للمجتمعات الإنسانية، لما لعبته من دور ريادي في قيادة الشعوب نحو تغيير أنماط تفكرها أولا، والرقي به من خلال صقل سلوكيات المجتمع وتهذيبه، وإحياء القيم النبيلة داخل المنظومة الاجتماعية، على اعتبار أن هذه الأخيرة هي الضامن لاستمرارية القيم الإنسانية وكذلك الضابط لإيقاع المجتمع فهي بمثابة القلب من الجسد.

إن أي تغيير كيفما كان لونه وشكله لا يمكن أن تقوده الفئات الشعبية البسيطة، بقدر ما هو واجب على النخبة المثقفة الدعوة أولا إلى التغيير عبر التنظير وتصفيف الأفكار وقراءة المشهد العام للمجتمع_ سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا،..._ من هنا يكون المثقف مثقفا بفعله التحليلي هذا، ثم في مرحلة ثانية لا بد من تبسيط الخطاب وهذا استحضارا للمقولة القائلة: "بالتحليل الملموس للواقع الملموس" عن طريق الوقوف على تجارب الشعوب التي سبقتنا إلى القيام بثورة فكرية و التمرد على السائد والمألوف في صيرورة المجتمع الإنساني، ثالثا قيادة الجماهير وتأطيرها بواسطة التكتلات الحزبية والجمعوية، وهذا عمل فيه استمرارية بين الأجيال، فإذا كان من نسميهم نحن "رواد الحركة الوطنية" ليسوا كل المغاربة الذين ناضلوا من أجل الاستعمار( الفرنسي_ الاسباني) بل تلك الكتلة التي أسست للعمل التنظيمي عبر وسائل حضارية تنسجم والظرفية التاريخية أنداك، المتمثلة في الحماية والأهداف المتوخاة منها. فإننا اليوم في مغرب القرن الواحد والعشرين، في حاجة إلى نخبة توجه نضالات الشعب المغربي وتأطرها، وفق خصوصية المرحلة الراهنة، ضمن نسق تنظيمي مؤسساتي، يستحضر كل المستجدات ويعي مفهوم المزواجة بين الحق والواجب.

ولعلى العفوية أحيانا والارتجالية تارة أخرى في الفعل النضالي المزدوج، والتوجيه الغير المنظم من طرف المخزن، ينتج جسما مشوه يخدش أولا الصورة العامة للمجتمع المغربي، وثانيا يجعل الأخر يصدر أحكام قيمة تبدو قاسية لكنها في واقع الأمر تعبير صادق عن الحالة المزرية في غياب ثقافة الاحتجاج ورد الاعتبار في ظل الانسحاب التام للنخبة من المشهد اليومي وما تعرفه من تطورات محلية وإقليمية ودولية، ليبقى السؤال المطروح من المسئول أو بالأحرى إلى من توجه أصابع الاتهام والعتاب واللوم في الندوات و المحافل الدولية على كثرتها واختلاف مواضيعها، من قبيل: "تلاقح الثقافات"، "صراع الحضارات"، "التسامح الأديان"...، هل النخبة المثقفة؟ أم الفئات العامية من الشعب المغربي؟.

إن المحددات الأساسية للنخبة المثقفة تنبني على التواجد الدائم والمستمر وسط العراك الاجتماعي والسياسي عن طريق إبداء الرأي وفرض الكلمة والتنظير للمستقبل والتأطير والتوجيه والمشاركة في الفعل النضالي، لأن المثقف بالنسبة للمجتمع كالقلب من الجسد، هو المحرك الأساسي لأية دينامية بعيدا عن لغة المزايدات و الاصطفاف في "طابور النخبة المثقفة" بمجرد امتلاك شواهد جامعية أو وظيفة داخل نسيج الدولة و الجلوس في الصالونات والمقاهي ومحاولة ممارسة نوع من الوصاية على المجتمع وتوجيه النقد عبر صفحات "الفيسبوك" بنوع من السخرية مستعملة مصطلحات تنم عن غباء سياسي وانعدام الضمير الإنساني والانسلاخ من الهوية الوطنية: "شوف على مغاربة"، " جيل مسخ"، "شعب المرقة"...، في ضرب سافر لمبادئ ومرتكزات النخبة المثقفة، دونما استحضار أن اندثار اللغة هي نتيجة لغياب الإنتاج الثقافي، و أن تخلف شعب بعينه هي حصيلة لتقاعس النخبة في القيام بواجبها اتجاه المجتمع وتأمرها عليه مع السلطة الحاكمة .