شكيب مصبير

فوجئت في الآونة الأخيرة وأنا أتابع منشورات وزارة العدل في وسائل الإعلام العادية أو الإلكترونية بسيل جارف من الدوريات والمناشير الصادرة عن وزير العدل والحريات تهم القضاة والشأن القضائي ،تطرح تساؤلات الشرعية والمشروعية ،ولاسيما تلك المتعلقة بتفسير القانون من طرف المحاكم بشكل جعل وزارة العدل تحمل صفة قاضية القضاة وكأنها رئيسهم الأعلى مهمتها توحيد تفسير القانون وصناعة الاجتهاد القضائي ،مما خولها واقعها لا قانونا مهمة محكمة النقض التي لا ندري ما هو مستقبل دورها أمام شيوع مثل هذه التفاسير الإدارية ومساسها باستقلال القضاء وبدور محكمة النقض كمحكمة عليا تسهر على توحيد الاجتهاد القضائي والرقابة على التطبيق السليم للقانون .

ومن الأمثلة الشاهدة على ذلك دورية وزير العدل بخصوص كيفية تعامل القضاة مع إعلان المحامين عن إضراب بالمحاكم ونصحهم من طرف الوزير المفتي بالمسلك القانوني السليم والمنهج القويم لتجهيز القضايا والحكم فيها أو تأخيرها، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل أمرهم بتوقيف إعمال الاتفاقية المغربية الفرنسية للتعاون القضائي بمنشور وزاري دون وجود أي قانون يقضي بتعليقها أو إيقاف نفاذها طبقا لقاعدة التراتبية التشريعية، ودعاهم مرة أخرى وبطريقة مقابلة لمواصلة إعمالها بعد رفع العائق ، هذا المسلسل من التدخل والتوجيه في سير القضاء وأحكامه البعيدة عن ماهية الإدارة القضائية سيعرف تطورا وتصاعدا مستمرا من خلال الدورية الأخيرة المتعلقة بفهوم الوكيل في الدعوى وحصر ذلك على المحامي ودعوة المسؤولين القضائيين إلى تفعيل مثل هذا التفسير والتقيد به من خلال قضاتها ،وكأنهم تابعين لهم وللوزارة دون أدنى احترام لأبسط أبجديات استقلال القضاء ولا استقلال القاضي، ألم يقل الدستور أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية ،وأن القاضي لا يخضع إلا لضميره والقانون ،فهل القضاء سلطة قضائية أم أنه مجرد إدارة تابعة لوزارة العدل شأنه شان باقي الادرات العمومية ،فالقاضي ليس موظفا حتى يتم تبليغه بتفسيرات وزارة العدل للقانون ،أفليس القاضي خبير الخبراء في تفسير القانون ،أم أنه شخص قاصر يحتاج للنصح والإرشاد والتعليمات ،إن هذا المنطق من التحكم والهيمنة يعود بالقضاة إلى ما قبل دستور 2011 ويجعل إصلاح القضاء محض سراب خادع للانقضاض مجددا على استقلالية القرار القضائي ،كهيأة شكلية أريد لها أن تأتمر وتحكم من طرف وزارة العدل عوض أن تقرر وتحكم من تلقاء نفسها وتحت رقابة المحكمة الأعلى درجة وفقا للدستور والقانون ،ولم يقتصر منطق تبعية القضاء لوزارة العدل على دوريات تفسير القانون المخول للمحاكم فقد امتدت سلطة الادارة القضائية لوزارة العدل على شخص القاضي بأن علقت حضوره في الندوات على اقتطاع مدتها وخصمها من عطلته السنوية تبعا للدورية عدد 2 س 1/4 الصادرة بتاريخ 19 يناير 2015 وذلك ضدا على مبدأ التكوين المستمر للقاضي وحقه في الرخصة الاستثنائية التي لا تتجاوز في الأقصى عشرة أيام بغاية إقبار الصوت القضائي الحر والرموز المزعجة للحراك القضائي ،والرغبة في التحكم في القضاة خلال هذه المرحلة الانتقالية التي تتزامن وتنزيل مقتضيات الدستور ،إنها ببساطة حرب مستمرة لأنصار تبعية القضاء على استقلالية القضاء والقاضي بتقزيمه إلى درجة موظف قاصر يفتقد للنضج والمسؤولية والأهلية تملى عليه التفاسير الوزارية ويحجر عليه في حكمه وعلمه وعطلته من طرف وزير من درجة محكمة النقض
إن أسمى القيم الإنسانية وأهمها هو العدل الذى يتحقق به السلام الاجتماعى ، وهو الذى يتحقق به استقرار المجتمع وسلامته ، ولا يتحقق العدل إلا بقضاء عادل يمثل ضمير الأمة من خلال سلطة قضائية محايدة مستقلة تنزل حكم القانون على الكافة دون تمييز بينهم ، ولا تستقر أركان الحكم فى البلاد ، ولا تزدهر الأمور بدون العدل الذى هو طريق الخير والرخاء والاستقرار ، وهو ما جعل المجتمعات المتحضرة شديدة الحرص على تحقيقه .