حميد المهدوي ـ يحق للمتتبعين لقرارات إعفاء المدراء المركزيين بوزارة العدل أن يلقبوا الوزير مصطفى الرميد بـ"وزير بطلب منه".

فعندما أعفى الرميد، سعيد الصوفي، مدير الموارد البشرية من مهامه بداية السنة الماضية، قال الوزير إن القرار جاء تلبية لـ"طلب منه"، وحين أعفى الوزير نجية الرحالي، مديرة "التحديث والدراسات والتعاون" من مهامها، شهر مارس الماضي، قال إن القرار جاء تلبية لـ"طلب منها"، وعندما أعفى الوزير عبد المومني نصر الدين، مدير التجهيز والممتلكات، من مهامه، عشية الندوة الصحافية التي عقدها الرميد للإعلان عن نتائج التحقيق حول شبهات "فساد" أشارت إليها تسجيلات صوتية، قال الوزير إن قرار الإعفاء جاء تلبية لـ"طلب منه"، وحين أعفى الرميد، يوم الجمعة 29 غشت، أحد أكثر المدراء إثارة للجدل، وهو مدير الميزانية، قال الوزير إن القرار جاء تلبية لـ"طلب منه"!

وإذا كان الصوفي قد أعفي من مهامه بعد استهانته بـ"ظرف بريدي" يلزمه بتوفير ثلاثة مهندسين عامين، عينوا خلال مجلس حكومي استثنائي، عُقِد يوم 31 دجنبر 2012، ما أغضب الوزير كثيرا، لدرجة سهر فيها بنفسه على توفير المهندسين المعنيين، فإن للرحالي وصابر ونصر الدين حكايات تستحق أن تروى؛

الحكاية الأولى، أن قرار إعفاء نصر الدين جاء مقرونا بقرار إعفاء مدير فرعية وجدة، مباشرة بعد عودة الوزير من زيارته لمحكمة تاوريرت، التي تؤكد كل المصادر على وجود اختلالات كبيرة بها؛

الحكاية الثانية، أن نجية الرحالي، مديرة "التحديث والدراسات والتعاون"، ظلت تقدم للوزير صورة وردية عن واقع المحاكم، في وقت كانت رغبة الرميد جامحة في تحديث الإدارة الرقمية، لكن عند زيارته لعدد من المحاكم، لم يقف على الصورة التي سوقتها له الرحالي، ما أغضبه كثيرا، خاصة بعد وقوفه على اختلالات شابت مشروع "meda"، الممول من طرف البنك الدولي، والذي كان هدفه تمكين المواطنين من متابعة قضاياهم عبر الأنترنيت، وشبابيك في المحاكم، وخاصة أكثر حين  أشعره مسؤول كبير في الوزارة بالقول "راها كتضحك عليك"، بعد أن ضاق المسؤول ذرعا بتعطل وسائل الإتصال مع مرؤوسيه بمحاكم المملكة.

الحكاية الثالثة بطلها مدير الميزانية، الذي أثير اسمه ضمن تسجيلات صوتية حول شبهات "فساد" فجرها مهندس، تفيد إحدى مضامينها، أنه هو من توسط لتوظيف مهندسة، بطريقة "مشبوهة"، وهو المسؤول الذي كتب أحدهم عنه في حيط من حيطان الرباط بـ"أنه شفار كبير" قبل أن يعتقل موظف بالوزارة ويدان بستة أشهر بعد أن اتهم بكتابة تلك العبارة المسيئة في حق مدير الميزانية.

والحقيقة، لا نملك حق اتهام أي أحد من السادة الواردة أسماءهم في هذا المقال، فوحده القضاء له هذه السلطة، لكن من واجبنا كصحفيين في إطار مهمة تنوير الرأي العام أن نسلط الضوء على بعض الجوانب المهمة في حياة المدراء المعفى عنهم من مهامهم بـ"طلب منهم" ! ونتساءل: هل يعقل أن يطلب شخص إعفائه من منصب بحجم مدير مركزي في وزارة العدل، دون أن تكون هناك ضغوطات قاهرة إما صحية، تحول دون تأديته لمهامه وإما "إغرائية" تتعلق بمنصب أرقى من منصب مدير مركزي، وأي منصب أغرى من منصب مدير مركزي في وزارة العدل في المغرب، سوى منصب الملك؟

نحيي الرميد على أي قرار من شأنه خدمة الصالح العام، لكن نخاف أن تكون بعض القرارات ترجمة لمقتضيات "النظرية الكنْسِية" التي تبناها بعض الفقهاء الإسلاميين الكسالى، والتي مفادها أن "الحاكم المؤمن لا تقع خلال ولايته الردائل"، كما نخاف أن يكون الوزير تبنى "سياسة عفى الله عما سلف"، التي تشجع على الفساد أكثر مما تحاربه !