بديل ـــ الرباط

تفاصيل مثيرة تلك التي كشف عنها الصحفي المغربي، محمد الطائع، في كتابه "عبد الرحمان اليوسفي وحكومة التناوب الديمقراطي المجهض"، عن الطريقة التي كان يسيطر بها وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، على الإعلام العمومي، وكيف كان يسخره لمحاربة حكومة اليوسفي.

وتفيد الشهادة أنه:''ومع أولى جلسات الأسئلة الشفهية في مجلس النواب، ستنطلق الحرب المفتوحة بين سلطة حكومة اليوسفي والسلطة الفعلية. إذ تقدمت فرق المعارضة بسؤال شفوي حول اختفاء بعض المواد الأساسية من الأسواق وارتفاع أسعار مواد أخرى، فكلفت الحكومة الوزير الاتحادي محمد بوزوبع للرد على أسئلة المعارضة. وبتوجيهات مباشرة من البصري، منع محمد طريشة البث التلفزيوني والإذاعي لجواب الحكومة عن أسئلة المعارضة فأحس المساري بإهانة كبيرة وحرر رسالة رسمية إليه يأمره فيها –بصفته الوزير الوصي على قطاع الاتصال والإعلام- بوجوب بث جواب الحكومة، حتى تصل المعلومة إلى الجمهور والرأي العام. لكن طريشة لم يرد على رسالة وزير الاتصال، فرفع المساري احتجاجه إلى اليوسفي، وطاله بالعمل بكل السبل لإبعاد رجالات الداخلية من مبنى الإذاعة والتلفزيون وإرجاعهم إلى إداراتهم الأصلية، وأفهمه بأنهم يحاربون الحكومة علنا.

نقل اليوسفي احتجاج المساري إلى الديوان الملكي. وبعد ذلك بساعات توصل المساري بمكالمة هاتفية من الديوان الملكي، وتحديدا من المستشار الملكي إدريس السلاوي، اشتكى خلالها المساري للمستشار الملكي تصرفات أطر الداخلية، فكان جواب المستشار الملكي واضحا:'' التناوب راه كلفنا بزاف ديال الوقت، بلاش من المشاكل من اللول. شوية ديال الصبر أسي العربي''. هكذا أصبح المساري يستغيث بالمستشار إدريس السلاوي كمخاطب في الديوان الملكي كلما جَدَْت الأزمة في قطاعه واصطدم برجالات البصري، الجاثمين على الإعلام العمومي، الذي كان خراج زمن الانتقال الديمقراطي.

لم تكن لليوسفي ولا للمساري أدنى سلطة على الإعلام العمومي، أكثر من ذلك هزمت العقلية المخزنية، التي جسدها البصري، الوزير الأول وزعيم الاتحاديين، وإلى جانبه نقيب الصحافيين والمسؤول المباشر عن القطاع. إذ كانت للبصري فعليا كامل الصلاحيات على كل النشرات والبرامج التي تمر في الإعلام العمومي، من خلال توزيع رجالاته في أنحاء الجسد الإعلامي، وقد كان الجميع يأتمر بأمره، وكل شيء يمر بغرباله، وهو نفسه لم يكن يتردد في الجهر بأن ''الإعلام العمومي مجال محفوظ وخالص للمخزن وخط أحمر غير مسموح لأي كان الاقتراب منه''.

لقد كان كل رأسمال حكومة التناوب وما كانت تملكه في هذا الصدد هو برنامج ''واعد التغيير''، "نوايا صادقة"، لكن السلطة الفعلية كانت خارج يدها لأن وزير "السيادة"، إدريس البصري، كان هو الوزير الفعلي الماسك بزمام الإعلام، رافضا أي حديث أو مبادرة أو عملية "قسمة"، وكان لا يتردد في توظيف هذا الإعلام ضد حكومة اليوسفي".