لا يتوقف وزراء الحكومة عن إبهارنا، فقد اكتسبوا من فرط الترويض الذي تعرضوا له في مواقعهم قدرة عجيبة على الانسلاخ من ذواتهم، ومن أحزابهم، فيصبح الهمّ الأعظم الذي يشغلهم هو بعث إشارات إلى أعلى بأنهم في الخدمة، وبأنهم مستعدّون لأداء المهام العويصة التي تسند إليهم، وخاصة منها تلك التي تتعلق بالعمل الوسخ.

أصبحنا نرى الوزير الناطق باسم الحكومة الذي لا يتوقف عن الثرثرة بعبارات مثل "ربط المسؤولية بالمحاسبة" و"محاربة الفساد" يتصدر من تلقاء نفسه وعن طواعية لكي يبرر تنصل السلطات من مسؤولياتها في الخروقات الكبيرة التي تمس أبسط الحقوق المتعارف عليها: الحق في التنظيم والتعبير والسفر والتنقل، إنه يريد محاربة الفساد لكنه ليس أبدا ضد الاستبداد، وكأنه لا يعلم أنهما توأمان لا ينفصلان، فحتى لو استطاع حزب الوزير أن يستولي على السلطة بكاملها في يوم ما، فلا شك أنه سيفرخ في وقت قصير مافياته ولوبياته الفاسدة، لأنه لن يخرج عن دائرة التسلط المولد للفساد.

لم نبتلع بعد غصّة وزير الاتصال حتى انبرى وزير التشغيل الذي ترأس وفد الحكومة إلى "جنيف"، ليعلنها مدوّية من عاصمة حقوق الإنسان، وكأنه داخل في تنافس مع وزير الاتصال وباقي وزراء السخرة ، فالبلد بخير والجمعيات الأمازيغية التي تقدمت بتقارير مضادة وعبرت عن مواقف نقدية تجاه الحكومة إنما تستهدف وحدة المغرب واستقراره، أما حقوق النساء فلا محل لها من الإعراب في المغرب لأن للبلد خصوصيته الدينية التي تجعله في حلّ من حقوق الإنسان، فالإسلام يجبّ ما قبله وبعده، ونحن في غنى عما سوى "تقاليدنا العريقة" و"ثوابتنا" مثل "تعدد الزوجات" وغيرها، وليس على النساء إلا دخول بيت الطاعة والاستكانة إلى أريحية الرجال وكرمهم.

ليس الوزير من خطباء حزب "المصباح" الشهير بكراهيته للنساء وللأمازيغية، ولا من التيار السلفي الذي يعيش خارج عصرنا، ولا هو من التيار القومي العربي المتطرف، ولكنه من حزب يساري هو "التقدم والاشتراكية"، الحليف التاريخي للحركة الأمازيغية وللحركة النسائية معا، فهل نتحسر على أيام السيدة نزهة الصقلي التي تنتمي إلى حزب الوزير، والتي لم تدّخر جهدا أيام توليها وزارة الأسرة لكي تنتزع بعض مكاسب للنساء حفظا للكرامة ؟ وما رأيها وهي ترى بأم عينها وزيرا من حزبها يترافع أمام خبراء حقوق الإنسان بذلك الشكل المخجل والمسيء إلى تجربتنا الديمقراطية التي بذلت فيها تضحيات جسيمة ؟

ماذا نفعل بحكومة غير منسجمة تضحك على أذقاننا بتناقضاتها ؟ فتارة تحمل كل الشعارات البراقة وتلوّح بها دون تفعيل، وطورا تتنكر لشعاراتها وتلوح بالعصا الغليظة معتبرة أن هناك "أقلية من الشواذ" تبحث عن الكمال وتهدّد وحدة البلاد.

لم ينتبه الوزير الذي كان في حالة شرود دائمة إلى أن الأمازيغية لم تعد منذ عقد ونصف مجرد مطالب لحركة مدنية تسعى كما في زعمه إلى إذكاء الفتنة، بل صارت سياسة رسمية للدولة في كل المجالات، وهو ما على الدولة تفعيله وتنزيله على الأرض، لكنها لا تفعل، وتريد أن يكتفي الناس بالشعارات وحدها وأن يعتبروها واقعا مشخصا، وأن يسكتوا وتخرس ألسنتهم عن النقد والمتابعة.

لا يعلم الوزير بأن عبارات بكاملها دخلت إلى الدستور المغربي صاغتها الجمعيات الأمازيغية على مدى 45 سنة من العمل الثقافي والفكري والعلمي، فكيف تكون هذه الجمعيات بكل هذه الحكمة وتسعى إلى زعزعة استقرار البلاد ؟ هل يعيش الوزير في الألفية الثالثة أم أنه استعمل آلة العودة في الزمن فوجد نفسه في بداية السبعينيات من القرن الماضي ؟

لقد قامت الدولة بخطوتها في ما يخص الأمازيغية في إطار ما أسمته بـ"المصالحة الوطنية"، التي تعني عدم العود إلى ما سبق من انتهاكات، والحال أنها لم تبدُ قطّ جدّية في وعودها، بقدر ما ظهرت بمظهر من يريد أن يُمتدح بالكرم دون أن ينفق سنتيما واحدا.

ينصّ الفصل التاسع عشر من الدستور على المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أليس الإرث من الحقوق الاقتصادية للجميع، لماذا نستثنيه من المساواة ؟ هل لأن الدين يمنع من ذلك، لكن الدستور يقول إن الدين المعني هو "الإسلام السمح الوسطي المعتدل"، ما معنى ذلك ؟ المقصود به إسلام المغاربة الذي ليس الإسلام "الإخواني" المصري ولا الإسلام "الوهابي" السلفي السعودي أو الأفغاني، لماذا إذن لا يجتهد الناس بـ"سماحة" لصالح النساء اللواتي تلحق بهن كل أشكال الظلم ؟ أليس الهدف من الدين هو كرامة الإنسان وعزته وصونه من المذلة ؟ طبعا لا يجتهد الرجال الذين يحتكرون الشأن الديني لأنهم لا يقبلون المساواة بالنساء، ليس حرصا على الشريعة بل على مصالحهم، والدليل على ذلك أنهم تخلوا عن أشياء كثيرة من صميم الشرع ـ وبنصوص صريحة ـ لأنهم لا يخسرون شيئا، بل يستفيدون من ثمرات التطور والتحديث، ومنها خروج النساء للعمل ونيلهن رواتب وأجورا ينتفع بها الرجال. لكن هؤلاء يقبلون رواتب النساء ولا يقبلون أن يتنازلوا لهن قانونيا عن أي شيء.

متى ينعم بلدنا بوزراء حقيقيين، يفكرون في مصلحة الوطن لا في مقاعدهم، ويسعون إلى خدمة الإنسان المواطن لا إلى إرضاء السلطة، التي ما زالت تعمل بمنطق ما قبل الدولة.