عندما علمت على لسان السيد وزير التربية الوطنية أنه أرسل رسالة إلى السيد "مارك زوكربيرغ" صاحب "الفايسبوك" يطلب فيها منه مساعدته على التوصل إلى الجهة التي قامت بتسريب أسئلة مادة الرياضيات أو مسائلها في امتحان الباكالوريا لهذه السنة، كنت موقنا بأن إدارة "الفايسبوك" كانت سترفض بلطف الاستجابة لطلب الوزارة. ولا يعني هذا أن هذه الإدارة مع الغش المدرسي، وإنما يفيد أن استجابتها لطلب وزارة التربية الوطنية في المغرب – لو فعلتْ – كانت ستُفْقِدُ الثقة إطلاقا في مؤسسة "الفايسبوك"، بل وقد تنهار بسبب تلبية ذلك الطلب... والسيد الوزير يعرف ذلك جيدا. لذلك، فهو راسل إدارة هذه المؤسسة ليس بهدف الحصول على جواب فهو يعرف رفضها مسبقا، وإنما ليُخَلِّف انطباعا بأن الوزارة لا تتحمل مسؤولية الفشل في التعرف على مُسَرِّبِ أسئلة الامتحان... 

وإذا كان السيد الوزير قد اعترف صراحة أمام الملإ بأنه لا يضمن عدم تجدُّد حدوث تسريبات مواضيع الامتحان مستقبلا، مشيرا إلى أن الوزارة عاجزة عن فعل أي شيء أمام التطور التكنولوجي الموجود في متناول التلاميذ الممارسين للغش، والذي يضع أمامهم إمكانات هائلة تتجاوز بكثير إمكانات الوزارة، فإنه ليس من المقبول تبرئة هذه الأخيرة وإلقاء مسؤولية الغش كاملة على الثورة التكنولوجية، وعلى التلاميذ وأوليائهم الذين يشترون لهم الأجهزة الرقمية، فيبحث الأبناء عمَّن يجيب على أسئلة الامتحان ويبعث بها إليهم. ليس معقولا البحث عن مشجَب يُعَلِّق عليه المسؤولون فشل نظام التعليم، ليتجنبوا الاعتراف بعدم صلاحية اختياراته وعجزه. إنهم يريدون فقط التغطية على ذلك بهدف إقناع السلطة والمجتمع بأن كل العيب في التكنولوجيا والتلاميذ والمجتمع، وأنَّ الخلل ليس متأصلا في الوزارة اختيارات وبنيات فكرية...
في الواقع، يخيفني هذا التبرُّم من تحمُّل المسؤولية، إذ المشكل في العمق هو مشكل ثقافي وفكري وتربوي وسياسي ومجتمعي وتنظيمي... ونظرا لعدم اتساع المقام للتطرق لكل هذه القضايا، فسأقتصر على محاولة معالجة بعض الجوانب التربوية، منها: هل تمتلك بلادنا "مشروع مدرسة" صادق عليه المجتمع؟ أليس التعليم في بلادنا شأن يستأثر به المسؤولون وحدهم دون المجتمع؟ وهل يمتلك نظام التعليم عندنا منهاجا دراسيا قائما على الشروط الأكاديمية المعتمدة كونيا في تطويره؟ وهل له تدريسيات للمواد الدراسية تمتح من هذا المنهاج الدراسي ومنسجمة مع روحه؟ وهل هناك كتابات للوزارة منشورة توضح ذلك وتعلِّلُه؟...
نظرًا لغياب كل ذلك، وبما أن مواضيع الامتحان مرتبطة بتدريسية المواد، ألا تمارس الوزارة فقط امتحانات بدون معنى؟ وهل في مستطاع المسؤولين إقناعنا بأن أسئلة امتحاناتهم ترتكز على تصور تدريسي سليم؟ وهل تتعلم الأغلبية الساحقة من التلاميذ لتبحث الوزارة عن التوصل إلى تحديد الفوارق المعرفية والوجدانية بينهم؟ وهل يُعتد بالنتائج التي يحصل عليها التلاميذ الذين يمارسون الغش كرها، وهم الأغلبية؟...
تدل كل المؤشرات والقرائن على أن المدرسة العمومية في المغرب لا تُمارس التقويم، وإنما تُمارس "التنقيط"notation وتخلط بينه وبين التقويم الذي يُمكِّن من التعلُّم ويحول دون الهدر... فمن الأكيد أن كل تلميذ هو في حاجة إلى التقويم، إذ يحتاجُ إلى وجهة نظر المدرس الذي يمتلك معرفة وتجربة وخبرة أكثر منه تؤهله لدَلِّه على الكيفية التي تمكنه من التفتح والنمو، ما يعني أن التقويم شيء، والتنقيط شيء آخر. فمن المعروف لدى الباحثين التربويين منذ قرن من الزمن أن "التنقيط" يتسم بالتعسُّف إلى حد بعيد، إذ يرتكز في الحكم على التلميذ استنادا إلى جوابه المُدَوَّن في ورقة الامتحان، مع أن هذا الأخير، مهما بُذِل من جهد في وضعه، لا يستطيع الإحاطة بإمكانات التلميذ الذاتية، كما لا يمكنه أن يدلنا على أسباب توفق التلميذ في الإنجاز من عدمه. فللإجابة على سؤال الامتحان قد يعتمد التلميذ على ذاكرته دون فهم لما حفظه عن ظهر قلب، وقد يلجأ إلى أحد أساليب الغش، كما قد يُطبِّق بعض المفاهيم أو النماذج بشكل آلي دون فهمها... لذلك، قد نتوهَّم بأن جواب التلميذ سليم، في حين قد يكون الأمر بخلاف ذلك. ومع ذلك، تعتقد المدرسة والمجتمع أن التلميذ قد تعلّم واكتسب معرفة، فيما يكون لم يكتسب أي شيء في الواقع، ولم يفهم أي شيء من المفاهيم والقواعد التي طبَّقها... كما سيكون عاجزا عن الاشتغال بما يبدو في الظاهر أنه قد تعلّمه لينتج به معرفة أخرى حول موضوع آخر ويربط بينه وبين مفاهيم أخرى في المادة الدراسية نفسها أو في حقول معرفية أخرى... وبذلك، تكون النقطة التي يمنحها الأستاذ المُصَحِّح بدون معنى ولا تعكس تعلٌّم التلميذ من عدمه. أضف إلى ذلك أن قناعات بعض مدرسي المواد الأدبية قد تجعلهم يمنحون علامات عالية لمن يساير اختياراتهم المذهبية...
لا يأخذ "التنقيط" بعين الاعتبار كون العملية التعليمية- التعلٌّمية سيرورة وصيرورة، وأن ملاحظة السيرورة وانجازات التلاميذ وقراءتهما برؤية ومفاهيم ديداكتيكية هما ما يمكن أن يكشف عن أسباب تعثر التلميذ والمدرس. ويجب ألا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يلزم القيام بقراءة للكتاب المدرسي وسائر الوثائق المرفقة معه لفهم التصور "الديداكتيكي" للوزارة. كما قد يتطلب الأمر إجراء مقابلات مفتوحة مع المدرسين لمعرفة نظرتهم إلى أدبيات الوزارة المتعلقة بموادهم الدراسية لكي نفهم كيفية اشتغالهم ومدى استعمالهم لخيالهم في إخراجها على مستوى تطبيقها داخل الفصل الدراسي...
لقد اكتشف بعض الباحثين منذ مدة طويلة أن "التنقيط" عبث يتجلى، على سبيل المثال، في ما يسمى بـ "مُعٓدَّل" نتائج التلميذ. فهل من المقبول أن تُعوِّض علامة 13 التي حصل عليها تلميذ معين في مادة الفيزياء، مثلا، علامة 7 التي حصل عليها التلميذ نفسه في مادة اللغة الفرنسية، أو في أيِّ مادة دراسية أخرى؟ فقد يتم الجمع بين العلامتين، وينجح التلميذ، لكن ذلك لا يعني بتاتا أنه نجح في الفرنسية، بل سيظل في الواقع فاشلا فيها. كما أن تفوقه النسبي في مادة الفيزياء لا يمكن أن يُعوِّض فشله في مادة الفرنسية ويمنحه النجاح فيها. بالتالي، فنحن أمام نظام خال من أي انسجام أو تناسق بيداغوجي منطقي، ما يستوجب تفكيرا جديدا يمكننا من اجتراح أفق مُغاير يفسح المجال لتطوير منهاج دراسي جديد وتدريسيات منسجمة معه وتقويم سليم مستمد منها...
بناء على ما سبق وغيره، هناك قناعة لدى أغلب المهتمين بالمدرسة المغربية أن الهدف من امتحانات الباكالوريا وغيرها من الاختبارات التي تُتَوَّجُ بنيل شهادات ليس هو تحسين أداء المنظومة التربوية حتى تُعتبر تقويما، بل هو أساسا وسيلة لممارسة الانتقاء المُغَلَّفِ بيداغوجيا، ما يعمق الفوارق الاجتماعية بما يترتب عنها من مشكلات اجتماعية وسياسية... لذلك أظن أن المسؤولين الفعليين عن نظام التعليم عندنا ليس لهم اهتمام بتعلٌّم التلاميذ، ولا بإصلاح هذا النظام، حيث تم إنفاق جبال من الملايير دون أن يعرف المجتمع المغربي فيما صُرفت ولا كيف صُرِفت، وتمَّ طَيُّ هذا الملف وكأن شيئا لم يقع، مع أن المسؤولية تقتضي الشفافية، وهذه الأخيرة تستلزم أولا مساءلة الوزراء الذين تحمَّلوا المسؤولية المباشرة والسياسية في صرف تلك الأموال الطائلة دون حدوث أيِّ تغيير يذكر في المنظومة التربوية، وكل ما تم إنجازه على مستوى الفضاءات المدرسية هو شكلي لكونه أقلَّ قيمة بكثير من الغلاف المالي الضخم الذي رُصدَ لها !!...