بديل ـ الرباط

كشف أساتذة، يوم الثلاثاء 29 أبريل، خلال تدخل لهم ضمن" ندوة علمية جاءت تحت عنوان "المجتمع المغربي بين الثوابت والمتغيرات" عن معطيات مثيرة، حملتها دراسة أنجزها وزارة التربية الوطنية سنة 2011، ولم تنشرها.

وتفيد الدراسة أن 13.9 من التلاميذ المغاربة يستهلكون المخدرات، وأن 7 دقائق في السنة هي مدة قراءة الكتاب خارج البرنامج الدراسي.

وعزا مصدر في تصريح لـ"بديل" أسباب عدم نشر الوزارة لهذه الدراسة إلى تضمنها لمعطيات مثيرة كان من شأن نشرها خلق الفتنة داخل الاسر المغربية.

وذكر أحد الأساتذة، خلال الندوة أن 8 في المائة من الشباب سنة 1980 كانوا يؤدون صلاتهم بانتظام، قبل أن يصبحوا سنة 2014، 58 في المائة.

هذه أرضية الندوة كاملة:

ما التحولات التي عرفها المجتمع المغربي ؟ ما طبيعتها ؟ ما شروط إنتاجها، اتصالا بالتغيرات المتسارعة ؟ هل يتعلق الأمر فعلا بتحولات عميقة المبنى والمعنى أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تغير في ظل الاستمرارية مما يكرس نفس البنى ويعيد إنتاجها بصيغ مختلفة في الدرجة لا في النوع ؟ وفي مقابل ذلك كله ماذا عن الثابت الذي حافظ على حضوره وقوته الرمزيين ضدا على منطق التحول المجتمعي؟ وما علاقة مجمل هذه التحولات بالسياقات المحلية والإقليمية والعالمية؟

إن الراهن المغربي يدفع إلى شحذ كل إمكانات التساؤل من أجل فهم طبيعة التحولات التي تعصف بالقيم و العلاقات والرموز والتصورات، والتي تحسم الحال والمآل، وتؤثر في صياغة مختلف التوترات والتسويات والتوافقات. فالراهن المغربي يتم توصيفه حينا بأنه في مفترق الطرق، وحينا آخر بأنه مغرب المرحلة الانتقالية، أو يشار إليه في قراءات أخرى بمغرب الهشاشة والاحتقان، وهذا ما يطرح إشكالا جوهريا على مستوى النمذجة التي تقطع مع الاختزال أو التعميم.

فثمة تحولات عديدة عرفها المجتمع المغربي منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، و هي تحولات جوهرية مست البنيات الديموغرافية والمجالية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما همت نسق القيم و التصورات والأسس الرمزية التي يدبر بواسطتها الأفراد علاقاتهم وتفاعلاتهم. والواقع أن المدن والبوادي المغربية كانت الأكثر تعرضا لهذه التحولات التي تتخذ أحيانا طابع الهزات والرجات، بسبب ما تثيره من إشكالات على مستوى إنتاج وتوزيع السلط والقيم وباقي الخيرات الرمزية والمادية. إلا أنه وبالرغم من هذه التحولات/الهزات، فثمة ممارسات وخطابات تحافظ على استمراريتها إنتاجا وإعادة، فالتحول الاجتماعي مغربيا لا يعني القطيعة التامة، بل إنه يضمر الاتصال لا الانفصال.

من المؤكد أنه من الصعب جدا تتبع كل ملامح التحول التي عرفها المجال والإنسان في ظل شرط زمني معين أو مفتوح. وعليه ستكون هذه الندوة مدخلا لحصر أهم، وليس كل، التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال سنوات ما بعد الاستقلال، فالمرافقة العلمية لهذه التحولات ضرورية من أجل الفهم والتجاوز، فلا يمكن استشراف المآل بدون فهم الحال، وهو ما كان يلح عليه الفقيد محمد جسوس في مقاربته السوسيولوجية العلمية الرصينة.

إن التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي تسير في اتجاه توكيد فرضية اندثار كثير من العلاقات الإنتاجية الجماعية أو إعادة تشكيلها وإنتاجها، وكذا تراجع مفاعيل المؤسسات التقليدية لصالح خيارات فردية أو جماعية وعصرية لا تسلم من تأثير التقليد وتوجيهه بإنتاج نمط علائقي جديد، تتعايش فيه سجلات متعددة وتسير فيه مؤسسات عصرية بممارسات وتمثلات تقليدية.ذلك أن تفكيك النظام التقليدي لم يتأت بسهولة في البوادي المغربية، ولا يمكن التأكد كلية من إمكان القضاء عليه، فدائما هناك تسربات ثقافية نحو الفائت، ودائما هناك تأثيرات قوية للتقليد في بناء المجتمع العصري الحداثي الديمقراطي المتطور.

كل هذه العوامل ستجعل مفاعيل المؤسسات التقليدية تتوارى، دون أن ترحل كليا، لصالح مؤسسات أخرى تبدو عصرية ومؤسساتية، وإن كانت تدبر بدورها بعلاقات وممارسات تقليدية، لهذا كله، كان من الطبيعي أن يكون الانتقال الممكن هو من القبيلة إلى القبلية، بشكل لا يعني موت القبيلة، ولكن تجددها في بنية تصورات وقيم دالة ومؤثرة الخ...

إن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي على أكثر من صعيد، و ذلك في مستوى البنيات ووسائل الإنتاج المادي والرمزي والعلاقات والتصورات والقيم، فضلا عن الانتقالات الممكنة أو المؤجلة، بدءا من وضع المخزن إلى الدولة ومرورا بالانتقال من القبيلة إلى القبلية، إلى واقع العصرنة في ظل التقليد. فكل هذه التحولات هي نتاج مستمر لما عرفه المغرب خلال الاستعمار وما تلا ذلك في زمن الاستقلال. وهي تحولات لا تلوح بطعم القطيعة مع الفائت، إنها تضمر و تعلن الامتداد والاستمرارية، فهي تتراوح دوما بين سجلات فائتة وراهنة وأخرى لاحقة، بالشكل الذي تضيع معه كل محاولة للحسم في ترتيب الواقع ونمذجته، فنحن لا نعي في كثير من الأحيان، هل يتعلق الأمر بممارسات و مؤسسات عصرية أم تقليدية؟ وذلك بسبب التداخل والتعايش الذي يفرضه منطق التحول.

إن ما تقدم يستدعي التساؤل مرة أخرى عن دور المفكر والباحث والمثقف والفاعل في قارات العلوم الإنسانية والاجتماعية، في مرافقة هذه التحولات من الناحية العلمية، بما تقتضيه هذه المرافقة من تجديد معرفي وتنويع لأدوات المنهج وخيارات المقاربة والدرس والتحليل، سعيا إلى توفير متون علمية قادرة على فهم دينامية التحول والتغيير في المجتمع المغربي وتفسيرها.