في تلك الصبيحة الصيفية الجميلة من صباحيات إغيل نومكون و كعادته خرج"ل,هـ"و هو مختل عقليا,لا يتوقف عن الثرثرة و الحديث في مواضيع لا يربط بينها رابط,يتكلم لكي لا يقول شيئا,(خرج)تائها بين تلك الجبال "كمن يبحث عن شيء لم يخبئه",فقادته قدامه إلى علو شاهق ليكتشف المفاجأة.
قيل إن "ل,هـ"كان يبحث عن الكنوز و قيل عن المعادن,لكن ما وقعت عليه عينه لم يكن من هذا و لا ذاك,لقد اكتشف رفاث هيكل عظمي أدمي !
و طبعا لم يكن الهيكل العظمي المكتشف لمقاوم قضى في مقاومة الاستعمار و لا لجندي من جنود الاحتلال أو أحد معاونيه,فالمنطقة لم تعرف أي معركة بين الأهالي و المستعمر.
سارع "المجنون"لإخبار شيخ أحد الدواوير المجاورة باكتشافه العجيب,لكن "المسؤول المخزني" لم يصدقه,لا,بل لم يعر كلامه أدنى اهتمام,"فالأحمق أحمق يهرف بما يعرف و ما لا يعرف,و لا فرق عنده بين الحقيقة و الخيال",و الحال كذلك,فمن سيصدقه يا ترى؟إنه كذاب و لو صدق !
أحس"ل,هـ"بإهانة عظيمة و اغتصاب لشرفه لأن المقدم الذي كان من المفروض أن يستمع لأقواله و يتقصى فيها ليتبين الحقيقة قابله باللامبالاة,و في ذلك قيل بأن "المكتشف"دفاعا عن أقواله و إثباتا لصحتها,عاد إلى مكان الجثة ب" إمي نتاغيا",أي مدخل مضايق أكوتي من جهة إغيل نومكون على ذلك العلو الشاهق فقام بانتزاع ذراع من الهيكل العظمي و حمله إلى المقدم عربون برهان على صدق مزاعمه !
بهت الذي أنكر و لم يصدق ما رأته عينه,أي نعم لقد كانت يدا بشرية,وليس من رأى كمن سمع,لذلك لم يعد له من مجال لتكذيب الخبر,فهرول لإخطار السلطات التي انتقلت إلى عين المكان لإجراء الأبحاث.
قيل إن الهيكل العظمي للضحية و جدت عليه بقايا ملابس نسائية و قيل فيما بعد إنها لشابة في مقتبل العمر اختفت منذ سبع سنوات,(اختفت) بعد حملها من "علاقة غير شرعية" مع أحد شباب دوارها,ففضلت الهرب درء للفضيحة و خوفا من "العقاب الأليم" من عائلتها إن هي اكتشفت الأمر.
و قيل أيضا إن عنقها أثناء اكتشافها كان ملتفا بحبل,فقالوا انتحرت,و لكن روايات أخرى تساءلت:كيف ستنتحر شنقا في ذلك العلو الشاهق حيث لا شجرة تعلق بها نفسها؟
روايات رجحت أن يكون عشيقها قد استدرجها إلى هناك قبل أن يقدم على شنقها,والحاصل"أن الروايات تعددت و الموت واحد" !
قصة "اكتشاف المجنون" شغلت الرأي العام المكوني طيلة صيف 2015 و كثر عنها القيل و القال حتى اختلط فيها "الأسطوري" ب "الحقيقي",ففي هذه الدواوير حيث الهدوء و السكينة و حيث الفراغ القاتل و غياب أي وسيلة للتسلية و الترفيه و حيث لا شغل يشتغل به الناس سوى التلهف لتلقف كل جديد يزجون به أوقاتهم,و حيث العلاقات الاجتماعية مترابطة ترابطا وثيقا مما يسرع من إذاعة الأخبار و انتشارها حتى أننا لا نبالغ إذا قلنا "إن أهل هذا الدوار يعرفون بماذا تعشى أهل الدوار المجاور" !
في هذا المحيط المتسم بهذه الخصائص,يكفي أن تنسج قصة و لو من الخيال,لتصبح حقيقة تسير على رجلين,حقيقة يرويها كل واحد بطريقته محاولا أن يضيف إليها لمسته و توابله لتصبح أكثر غرائبية و عجائبية تثير فضول السامعين و تشوقهم لمعرفة تفاصيلها و نهايتها,قصة يتكفل كل واحد بصناعة جزء منها لتصير كائنا بيدين و رجلين و عينين و شفتين !
وغرابة هذا "الاكتشاف المبهر" لا تتوقف عند كون صاحبه "مجنون",و لا عند مكان الاكتشاف في ذلك الارتفاع العالي,و لا عن الهدف الذي قاد المكتشف إليه(البحث عن الكنوز)و لا بالبرهان الساطع الذي لجأ إليه لإقناع"أمغار",بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أغرب!
إذ تقول بعض الروايات إنه و أثناء فحص الرفاث عثر في معصم الشابة على ساعة يدوية مازالت تعمل,أي نعم,بعد سبع سنوات تحت الصخور و التراب مازالت الساعة تعمل !
و لأن الناس هناك كما في أغلب الدواوير لا تتوقف عند مجرد الوصف و الحكي,بل تتجاوزهما إلى التحليل و البحث عن الأسباب و طرح الفرضيات,فإن الأسئلة كثرت و الاستفسارات تناسلت بعد"الإنجاز العظيم للمجنون"من قبيل:لماذا وقع الانهيار الصخري في ذلك المكان بالضبط و ليس في مكان آخر؟لماذا ذلك "المعتوه" هو من قادته رجلاه إلى ذلك المكان و ليس شخصا آخر؟هل صدفة حدث كل ذلك؟
و طبعا فالمكونيون لا يبحثون لأسئلتهم عن أجوبة,لأن الجواب في نظرهم سهل و بسيط و هو "أن الروح عزيزة عند الله" و عليه "فالقاتل مهما حاول إخفاء معالم جريمته,فلابد يوما سينكشف أمره و تظهر الحقيقة و لو أخفى الجثة في أعلى المرتفعات التي لا يصلها إنسان و لا جان,إلا مجنون يبحث عن الكنوز" !!