ثمة مسافة زمنية وإبداعية، في الوقت ذاته، ما بين العمل القصصي "وحين يكون الحزن وحده" (1998)، الذي دشّـن به صاحبه عبد السلام الجباري دخوله عالم القصة وبين عمله الثاني "وداعا شوبنهور" الذي أطلّ به علينا قبل أيام من بحر العام الجاري (2015). ويهمني أن أركز، هنا، على جملة من الخواص ذات الصلة بـ"منعطف الكتابة" الذي أعدّه في أساس تميّـز العمل الثاني (والأخير في سجّـل الكاتب) بالنظر للتيمات ذاتها المتسرِّبة في العملين معا وإن كان حضور التيمات نفسها كثيفا في العمل الثاني في سياق أوسع يتعلق بتصعيد الكتابة باعتبارها جوهرا إبداعيا وإنسانيا.

وقبل أن أعرض، وبتركيز واختزال، لهذه الخواص لا بد من التشديد على مركزية الفيلسوف الألماني شوبنهور (1788 ــ 1860) وفي العنوان ابتداءً في دلالة على مرجعية الأستاذ عبد السلام الجباري الذي أمضى حياته المهنية مدرّسا لمادة الفلسفة في مدينة وجدة وفيما بعد مكناس ليقّـر قراره في أصيلا التي أمضى فيها ما يزيد عن ثلاثة عقود من التدريس في الثانوية الوحيدة للمدينة إلى أن أحيل على التقاعد العام 2005. و"وداعا شوبنهور" عنوان قصة من قصص المجموعة التي بلغت 34 قصة. وأما لماذا شوبنهاور، أو شوبنهور كما يكتبه صاحب العمل، دون سواه وبمن في ذلك من الفلاسفة المقربين منه أو من الذين أفادوا منه في سياق "جغرافية النص المختلف"، فهذا ما لا يمكن استخلاص بعض دلالاته إلا في ضوء قراءة العمل ككل. وفي وقفة تأويلية أولى فإن مفردة "وداعا (شوبنهاور)" جديرة بالتأكيد على نوع من الإصرار على مفارقة "التشاؤم"، في خطوطه العريضة وفي عناوينه المفصلية، على نحو ما اشتهرت بذلك فلسفة شوبنهاور. فحضور شوبنهاور، في المجموعة ككل، ومن خلال التيمات في دورانها أو بالأحرى في تمفصلها السردي، قرين نوع من "الفلترة" (Filtration) المنصوص عليها في أشكال من "التناص الموجب" الكامن في النصوص وفي أصناف من "التأويل الذي نحيا به" الصادر عن الذات المبدعة. ومعنى الكلام الأخير أن عبد السلام الجباري، وهو ما يكشف عنه العمل نفسه، يكتب بمرجعية قائمة على تداخل الأدب مع الفلسفة، وقائمة على صهر "اليومي" في بوتقة هذا التداخل.

إن عمل "وداعا شوبنهور" يندرج ضمن الأفق العريض الذي يتأسس ــ مغربيا ــ من خلال محمد زفزاف ومحمد شكري وإدريس الخوري أو "الثالوث الذي قدّم خدمات جليلة للإبداع المغربي" كما نصّ على ذلك عبد السلام الجباري في عمله الأول. الأفق الذي أسهم فيه شعراء أيضا من أمثال أحمد المجاطي والخمار الكونوني وكريم حوماري ابن مدينة أصيلا التي تستحوذ على الكاتب. الأفق الذي يتأسس ــ وعالميا، هذه المرة ــ من خلال أهرامات مثل ويليام فونز ودوستويفسكي وإرنست هيمنجواي وألبير كامو... إلخ. وكل ذلك في المدار الكاشف عن مركزية الإنسان في الإبداع وعن مركزية اليومي والهامشي والمطرح والعابر في أنساغ الإبداع. والخلاصة، هنا، أننا نجد أنفسنا، وفي إطار من الإبداع المفتوح، بإزاء إنسان يقرأ الكتب البعيدة عن ماكينات الإيديولوجيا ويستمع للموسيقى العالمية... ويمارس الجنس ويتقاتل في الحانات أيضا.

ولعل هذا الإصرار، المضمر، على الإنسان في توزّعه المكاني وفي تشتته الحياتي... هو ما جعل من "القصص"، التي "جـنَّـس" بها صاحبها العمل، وفي منظور قراءتنا هاته، مجرد "وسيط" أو "أداة" ليس إلا: أداة بين المبدع والإبداع. ذلك أن العمل لا يكترث بما يصطلح عليه في الرطان النقدي البنيوي بـ"قواعد اللعب السردي" أو بالأدق ــ وحتى نحيل على الدراسات الأجناسية، هذه المرة ــ أن العمل لا نلمس فيه "الخاصية الأجناسية" (Generité) التي يستند إليها ــ وبشكل مقصود ومستثمر ــ بعض القصّاصين في المغرب كما في خارجه. وإبداء ملحوظة من هذا النوع لا تنطوي على أي توصيف تنقيصي من العمل ومن مدى انتسابه للنوع القصصي أو حتى "فن القص" ذاته. الأمر يتعلق بـ"اختيار مفتوح" ويتعلق باللغة ذاتها حين تنطق الإنسان ذاته وحين تستدرجه إلى "ضيافتها" على نحو ما تحدث عنها الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفناس.

واللافت أن العمل، في التباسه بتيمات متعينة ومحددة، كاشف عن معطى "الكتابة". ونقصد، هنا، إلى الكتابة على نحو ما تتحدث عنها "فلسفة الاختلاف" هذا وإن كان العمل لا ينحو منحى "الخرائطية" التي تحدّث عنها الفيلسوف جاك دريدا. ومن دون شك فخيار من هذا النوع كثيرا ما يفضي إلى التعتيم على الدلالة وإلى تحويل "التجريب" إلى "تخريب". ومن ثم مفهوم "التجربة"، أو "حد التجربة" كما عبر عنها فيليب سولرز فيما أظن. وهذا الشغف بالكتابة هو ما جعل الكاتب يلمّح إليها، بل يتحدّث عنها وعلى النحو الذي أفضى به حال "التعلّـق" بها. يقول: "أنا اعبد الكتابة وأشفى واغتسل بالكتابة إذا كنت جُـنُـبًا" (ص114).

وبالنظر إلى معطى الكتابة هذا فإنه يسهل علينا الاستقرار على أن العمل كاشف، ومن وجوه عديدة، عن الكاتب. والكاتب، هنا، من حيث هو كائن مديني (من المدينة). والأكيد أن الأطروحة، التي تصل ما بين فن القصة والمدينة، مركزية ومحورية في الأبحاث المتعلقة بالسرد و"السرديات". واللافت، في "وداعا شوبنهور"، وإذا ما استندنا إلى النظرة التراتبية بخصوص العناصر التكوينية للعمل، هو محورية المكان. وهذا المكان متجانس وسواء كان بالمغرب أو خارجه، ومرد ذلك إلى أن هذا المكان ــ وهذه فكرة نقدية لا يسمح الحيز المقالي بالتفصيل فيها ــ لا يعدو أن يكون مجرد "مرآة" للكاتب أو الذات الكاتبة حتى نخصّص مفهوم "حد التجربة" سالف الذكر. ولذلك فالمكان لا يحضر كهندسة مصمتة ومعزولة وإنما كتجربة معاشة... ومن ثم مركزية "المقهى" بمعناه الشامل والمفتوح وفي إطار من "الشارع" كفضاء لـ"التسكع الأبدي" الذي تحدّث عنها الناقد الأدبي والفيلسوف الجمالي الأبرز فالتر بنيامين. والأمكنة متعددة وتمتد داخل المغرب وداخل الغرب الرأسمالي. فثمة أكثر من قصة تعرض لتجربة الذات الكاتبة في الغرب (ميلانو، باريس، برشلونة... إلخ). وأما القاسم المشترك فهو "الكائن" الذي يندس في المكان ويتلذذ بالمكان وبالتخييل المتسرِّب في المكان.

على أن التأسيس الأنطولوجي لـ"الإقامة" في المكان، وفي إطار من تلازم الوجود والإبداع، لا تتضح دلالاته إلا من خلال مرآة ثانية أساسية في تكثيف اللحظة الإبداعية في العمل حتى وإن كانت لا تبلغ مكانة المكان في حضوره الحدي في العمل. ونقصد، هنا، إلى الأسماء التي يستدعيها الكاتب إلى مطبخ الكتابة. أسماء من الفلاسفة والمتصوفة في الأغلب الأعم ومن الكتاب والأدباء بدرجة ثانية، وفي هذا السياق جاد علينا العمل بأقوال وشذرات وانطباعات وتصوّرات واعتراضات واستعمالات... أثرت العمل وأضاءته. ودونما تغافل عن أسماء لا تملك أقوالا غير أنها "عملية" ومرتبطة بالتاريخ المحلي المصغر كما بالنسبة لمدينة القصر الكبير التي نشأ فيها الكاتب. والمثال على ذلك رايموندو هارنيط الطبيب الاسباني الذي عاش بالقصر الكبير ودفن به بناء على وصيّة منه. أسماء محكومة، بدورها، بالفلترة ــ سالفة الذكر ــ وبـ"التذويت" ــ كما يمكن أن نضيف ــ ودالة على الذات الكاتبة في مسالك المعنى كما في منعرجات الوجود والحياة.

وصفوة القول: إن "وداعا شوبنهور" عمل كاشف عن الإبداع من حيث هو نمط وجود وعلامة هوية. عمل ينطبق عليه ما ذهب إليه فرانز روزنتال من أن "حياة بدون إبداع أقل جدارة بأن تعاش".

(*) باحث وأكاديمي من المغرب