الحسين المزواري

لقد تعرضت حركة المعطلين في المغرب لمختلف أشكال الهجوم من أجل فرض استسلام فئات عريضة من الشباب المتعلم للبطالة، وفرض التنازل عن المكتسبات التاريخية للحركة الاحتجاجية التي حققتها هذه الفئات عبر التاريخ، وقد واجهت الحكومات المتعاقبة احتجاجات المعطلين في المغرب بأساليب أبرزها دفع حركتهم نحو مجموعات صغيرة بهدف فك كل أشكال الارتباط بينها كقوة تستطيع التأثير في القرار المرتبطة بملف التشغيل، على اعتبار أن كل هذه المجموعات الصغيرة تجمع بينها نفس المصالح ونفس المطالب ونفس التطلعات في مواجهة سياسات حكومية غير عادلة في مجال التشغيل.

نطرح هذه القراءة لنؤكد على أن النضال من أجل وحدة حركة المعطلين يجب أن تكون الخطوة الأولى قبل النضال من اجل تحصين المكتسبات، فالوحدة إذن هي خيار استراتيجي تتطلب تفعيل شروط وآليات التضامن بين كل مكونات الجسم المعطل مهما اختلفت مستويات العطالة وامتداداتها الجغرافية أو الظرفية، ومهما اختلفت المنطلقات السياسية والإيديولوجية بين مجموعات المعطلين، كما يجب أن يكون هذا عامل قوة وإثراء لحركة المعطلين، لا أن يكون سببا لبوتقتها وتشردمها.

إن الإلحاح اليوم على وحدة حركة المعطلين في المغرب ليس الغرض منه القضاء عل تعددية مزعومة أو كما يتصور البعض، بل عل العكس من ذلك، نقصد بالوحدة تلك التي تسطر فيها نفس الأهداف وتتوحد فيها نفس آليات العمل والاشتغال داخل الإطار الواحد لا خارجه، وأيضا في نفس الوقت يحفظ التنوع والاختلاف السياسي والإيديولوجي. إن منطلق التفكير الحقيقي للمناضلين والمناضلات المعطلين والمعطلات يجب أن ينبع من فكرة كون الوحدة شرط ذاتي ضروري للقوة ولتحقيق كل المطالب، وهو ما يتطلب تفعيل شرط وآليات التضامن بين كل مكونات الجسم المعطل في كل المستويات سواء كان الأمر يتعلق بالجغرافيا أو على المستوى الفئوي، أطر عليا كانو أم مجازين، أم غيرهم من مستويات أخرى للمعطلين.

ورغم أن تجربة مجموعات الأطر العليا المعطلة في فترة ما قبل حراك 20 فبراير كان لها من النجاح ما يستحق التقدير والاحترام، وذلك في استطاعتها في فترة معينة الحفاظ على مكتسبات ناضلت عليها الحركة مند البداية، إلا أن تحقيق المكسب الرئيسي الذي هو الإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية لم يكن شاملا لكافة الفئات المعطلة، وبقدر ما أسست تلك المجموعات لنضال مشروع وكفاحي في شوارع الرباط ومدن عدة، ساهمت أيضا في المقابل في خلق أولى بوادر النضال المتشردم والمجزئ داخل جسم يفترض أن تكون فيه القوى مجمعة في اتجاه واحد يستطيع قلب موازين القوى لصالح خريجي المدرسة العمومية، لقد عملت الجهات الحكومية المتعاقبة على تسيير ملفات المعطلين بمنطق يكرس الأنا ومن بعدي الطوفان كقاعدة تتمحور عليها تضحيات هذه المجموعات، ولهذا الغرض عمل على تكريس الحلول المجزئة لمجموعات دون أخرى، حسب معاير عشوائية وغير منطقية مما أدى إلى زيادة ضعف حراك هذه المجموعات من المعطلين وفرض بذلك واقع التشتيت والتفريخ على الحركة.

التشردم والتمييز حسب معيار الشواهد والشرعية التاريخية ؟

رغم كون الجمعية المغربية لحملة شهادات المعطلين ترفع شعار النضال على كافة المعطلين باختلاف مستوياتهم وشهاداتهم، إلا أن الباحث في تاريخ نضالات الجمعية، يكاد يلاحض اقتصار نضالها في مجمله على معطلين حاصلين على شواهد الإجازة دون غيرها من الشواهد الجامعية والمعاهدية الأخرى، كما أن عدم تمكنها من الإجابة على سؤال الإستقلالية عن الإطارات السياسية وحدود علاقة السياسي بالإجتماعي جعل هذه التجربة المتميزة في أولها إلى التراجع بشكل كبير حتى أصبحت نضالتها مشتتة هي الأخرى كما أصبحت بعض الأمراض النضالية تظهر في أوساط المناضلين كنتيجة طبيعية لعدم نقد الذات وغياب قياداة حقيقية تستطيع تصحيح المسار بما يضمن إطار جماهيري قوي ومنسجم، وفي الجانب الأخر فقد ضلت مجموعات المعطلين أصحاب الشواهد العليا (ماستر فما فوق) والمجازة التي لا تنتظم في صفوف الجمعية، تناضل بمعزل تام عن نضالات هذه الأخيرة، فتضخمت هذه المجموعات في أوج الربيع الديمقراطي، مستغلة حالة الفزع التي أصابت النظام السياسي حينها وتعددت بشكل كبير في الأربع سنوات الأخيرة، وقد ساهم في ذلك تحقيق بعض هذه المجموعات المعطلة لمكتسبات جزئية تزامنا مع حراك 20 فبراير بعد خوضها لإضرابات ونضالات متفرقة (اقتحامات، اعتصامات ...)، لكن وبعد أن أفل نجم الحراك المجتمعي بقي سؤال القيمة التنظيمية المضافة التي حملتها هذه البنية التنظيمية المجتزئة لحركة المعطلين عالقا ؟ .

لقد عملت الحكومات المتعاقبة على تكريس منطق النضال المجزئ، وكانت تبادر أحيانا إلى الاستجابة لمطلب بعض هذه المجموعات سواء الأطر العليا أو مجموعات داخل مدن أخرى، وقد يشمل الحل أحيانا بعض فروع الجمعية المغربية لحملة الشهادات المعطلين، لكن بقدر ما كان هذا نوع من تحقيق للمطلب بقدر ما خلق جو من التفرقة وفك كل ارتباط ما بين هذه المجموعات، وتعمقت بذلك الأنانية المجموعاتية واضمحلت في المقابل أيضا كل أمال الوحدة بين تنظيمات المعطلين، وكانت النتيجة دائما حرمان فئة المعطلين من توحيد نضالاتهم ومواجهة السياسة اللشعبية والتقهقرية في حل مشكل البطالة. في المقابل استغلت الحكومة الجديدة القديمة والحزب المسيطر حاليا هذا الوضع من أجل القضاء على الحركة بحجة محاربة الفساد والريع، وزعمت زورا على أن مطالب المعطلين هي عين الفساد وصنعت منها العنوان العريض في محاربتها زورا للريع، علما أن الحزب الذي يقود الحكومة حاليا كان أول من يستغل نضالات هذه الفئات المعطلة حينما كان خارج الكعكة الوزارية، خصوصا بعدما عجز بنكيران وعشيرته الأقربين في مواجهة ملفات الفساد الحقيقية التي تنخر الاقتصاد الوطني من تهرب ضريبي ورشوة واختلاسات مالية وفساد إداري وقضائي بل ضبع وتحالف مع كل هذا الفساد (عفا الله عما سلف).

لقد استطاعت الحكومة إفشال بعض الاعتصامات والاقتحامات للمعطلين، فاستخفت بكل المطالب وواصلت بذلك مشاريع الزحف على كل المكتسبات، ومن أجل ذلك تم تسخير الآلة الإعلامية الرسمية في الترويج لوجهة النظر الواحدة في ملف التشغيل، وبخاصة التطبيل لمنطق المبارة المزعومة، دون إتاحة المجال للمعنيين بالأمر لتوضيح زيف هذه الحجج، وحتى إذا ما تماهينا مع خديعة المبارة التي تتستر من ورائها الحكومة فلا هي برنامج ولا حل ولا هي خطة عمل أو مشروع متكامل بل هي آلية فقط للتباري على مناصب شحيحة في القطاع العام، لا تشمل كل الشواهد الجامعية، وهي آلية تنعدم فيها أي ضامنات للشفافية والمصداقية في ضل فساد الإدارة العمومية، وبخاصة بعد سلسلة الفضائح المتوالية التي شهدتها مراكز الامتحانات ولوائح الناجحين، ولق اتضح جليا كيف أن حزب العدالة والتنمية استغل هذه الألية المغشوشة وسيلة زرع و"بنكرة" الإدارة العمومية بجحافل مريديه واتباعه في الحزب وحركته الدعوية.

إن السؤال الحقيقي والمحرج الذي لا تستطيع الحكومة الإجابة عليه يتمثل في ماذا أعدت من سياسة ورؤية حقيقية تستجيب للكم الهائل والمتزايد للمعطلين من جميع الفئات والأعمار وفي كل رقعة من الوطن؟، كيف تجيب عن كل التقارير الوطنية والدولية (مندوبية التخطيط، البنك الدولي، ....الخ) التي أكدت ارتفاع معدل البطالة بشكل مهول، وعلى سبيل المثال فقد عرفت نسبة البطالة عند فئة الشباب الحاملين للشواهد العليا ارتفاع كبيرا، لتصل نسبة العطالة في أوساطهم إلى 17,2%.

لقد كانت التضحية بوحدة حركة المعطلين ضريبة من اجل تحصيل عدد من مجموعات المعطلين لمكتسبات جزئية، وتناسلت بذلك هذه الجموعات داخل شوارع الرباط مما خلق فوضى تنظيمية عارمة نتيجة لغياب أية رابطة تنظيمية بينها، وقد انخرطت كل مجموعة على حدة في معارك نضالية متعددة ومشتتة يصعب ضبطها ومسايرتها تنظيميا، وكان أكثر ما يمكن الوصول إليه أحيانا انخراط هذه المجموعات في تنسيقات مع بعضها لكن دون أن يتم الحسم في الورقة التنظيمية وبقية الضوابط داخل نفس التنسيقية.

إن الرهان على الكم العددي أحيانا هو ما يقف وراء التنسيقيات التي يتم خلقها غالبا، لكن بدون أن تكون أرضية الوحدة مبنية على فهم صحيح لضرورتها الحتمية من اجل قلب موازين القوى لصالح هذه الفئة، وسيضل هذا الرهان دائما خاسرا بالنظر لكونه سيفقد احتجاجات المعطلين أي إمكانية خلق لوحدة تنظيمية، وسيحولها إلى إطارات مجمع لمجموعات خارج أي ارتباط تنظيمي أو نضالي موحد، وهو الشيء الذي سيحكم على نضالاتها بهاجس التنافس الشواهدي أحيانا أو الجغرافي وكل مظاهر الأنانية بصفة عامة.

لا بديل عن الوحدة من اجل انتزاع المكسب

إن تحليلنا لحقائق التاريخ وما راكمته الحركة الاحتجاجية المغربية بصفة عامة، يؤكد على أن مختلف المكتسبات السياسية والاجتماعية والحقوقية التي انتزعت من المخزن تحققت كلها في ضل الوحدة، رغم اختلاف مستويات تجليها عبر التاريخ، إن النضال على أرضية ملف مطلبي واحد وموحد يتضمن مطالب الأطر العليا المعطلة كمرحلة أولى، تكون فيها الأشكال النضالية موحدة وذات مضمون تستطيع به قلب موازين القوى لصالحها، وكذلك تضمينه أكبر عدد ممكن من المطالب في أفق خلق وحدة شاملة حتى يتسنى لباقي الفئات المعطلة الالتحاق بدرب النضال وتوسيع قاعدة الصد ضد الهجمات التراجعية للحكومة الحالية.

إن تجميع مجموعات الأطر العليا داخل إطار واحد، في أفق العمل على الوحدة الشاملة مع كافة الفئات المعطلة، تنطلق أساسا من ضرورة العمل على وضع حد لهذا التشردم النضالي عبر بلورة نقاش صحيح ودو مضمون ينطلق من القواعد وتكون شريكة في تنفيذ خلاصاته لا المكاتب والقيادات التي قد تحكمها أحيانا هواجس القيادة والأنانية الفردية، ويكون منطلقه الانتظام الوحدوي داخل هيكل واحد يستطيع بلورة ملف مطلبي شامل ومتكامل في نفس الوقت يجيب عن مطالب هذه الفئة ويكون أرضية حقيقية في مستوى التصدي لوجهة النضر الانتقامية التي تحكم عمل الحكومة الحالية.

على المستوى السياسي، اتضح جليا أن محاولة عزل الحركة الاحتجاجية للمعطلين مع الحركة الحقوقية والاجتماعية الأخرى وكذلك مع باقي المطالب السياسية ذات البعد الاجتماعي كان خطئا قاتلا، دفع تمنه فئات عريضة من المعطلين، وكانت تجربة مجموعات المعطلين المعنية بالمرسوم الوزاري 100-11-01 ومصير مجموعات محضر 20 يوليوز اكبر دليل على ذلك، ونتصور جميعا لو كان الخط السائد إبان حراك 20 فبراير كان كفاحيا، لاستطاعت الحركة تحصين مكسب الإدماج المباشر والشامل بأقل الجهود الممكنة آنذاك، أما الآن وبعد تراجع زخم الحراك السياسي والمجتمعي في المغرب وضبابية نتائجه في المحيط الإقليمي أيضا، جعل الحكومة الحالة تتكيف مع كل الحراك بصفة عامة، وبادرت هي بالهجوم عليه والزج بالمعطلين في أتون محاكمات جنائية كسابقة من نوعها يعرفها ملف الأطر العليا المناضلة في شوارع الرباط، ولا تتورع في كل لحظة عن تغليط الرأي العام عبر خرجات إعلامية ودس مغالطات كبيرة حو نضال المعطلين والتشكيك في مشروعيته.

من هنا يتضح أن الصراع الآن مع الحكومة يجب أن يتخذ بعدا آخر، ويكون الهدف منه الرئيسي يتمحور في فضح سياسات هذه الأخيرة في ميدان التشغيل، ومن اجل ذلك فلا بديل لقوة هذا المنطق إلا عبر خلق هيكل قوي تكون فيه شروط الاستمرارية والتراكمية واضحة، وهذا يعني ضرورة القطع مع الأشكال الاحتجاجية اللحظية وذات البعد الضيق والأفق القصير والمصلحي تحت أي مبرر كان تضيع فيه كل التراكمات بمجرد انتزاع مكسب بسيط فقط.

ان استحضار كل تجارب الماضي والحاضر ليؤكد على أن الطريق الوحيد من اجل استعادة زمام المبادرة والقوة للملف المطلبي للمعطلين باختلاف مستوياتهم، هو العمل على ترسيخ منطق وحدة شاملة لكل مجموعات الأطر العليا من جهة والأطر المجازة من جهر أخرى في أفق وحدة شاملة لكافة ومستويات المعطلين في إطار حركة واحدة يتم فيه وضع الحد للتشرذم ومرض التفريخ المجموعاتي، ويجب أن تنطلق فيه النقاشات حول باقي آليات التنظيم والهيكلة من القواعد وذلك من اجل ضمان المصداقية للحركة، وإبعاد شبهة البيروقراطية عليها، هو نقاش ديمقراطي يتأسس على أرضية الاستقلالية والوحدوية لحركة المعطلين.