أحمد دابا/ تحليل إخباري ـ يوم الأربعاء 10 من شتنبر وجه الرئيس أوباما كلمة للأمة، بعد إعلانه لقادة الكونغرس الأمريكي، أنه يملك التفويض لمحاربة تنظيم داعش .

وأفاد البيت الأبيض في بيان بأن الرئيس قال " للزعماء إن لديه السلطة اللازمة لاتخاذ إجراءات ضد تنظيم الدولة وفقا للمهمة التي سيوضحها في كلمته ليلة الغد (الأربعاء)".

هذا، وكان وزير الخارجية الأمريكي قد أجرى مكالمة مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي على هامش اجتماع مجلس وزراء الجامعة العربية يوم الأحد الماضي السابع من شتنبر ، يحثه فيها على ضرورة تبني قرارات حاسمة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وهو ما يبدو أن الجامعة العربية استجابت له .

أمريكا تقرر الإنتقام

لقد بدأت أمريكا فعليا الحرب على تنظيم داعش من خلال تكثيف ضرباتها الجوية على المناطق التي تخضع لسيطرة هدا التنظيم المتطرف، في ما أقدم هدا الأخير في تحد واضح للإدارة الأمريكية على قطع رأس صحفي أمريكي ثاني، وبالرغم من هذه الضربات الجوية الأمريكية، لازال تصريح أوباما يرن في الأذان، والذي قال فيه إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتوفر على إستراتيجية شاملة لمكافحة تطرف داعش .

اختارت الولايات المتحدة الأمريكية ودافعت في الاجتماع الأخير لحلف الناتو على ضرورة تشكيل جبهة مشتركة لمحاربة داعش، تكون فيها للدول العربية ذات الأغلبية السنية موقعا مهما، وهو الموقع الذي من شأنه أن يعزز الجهود الإقليمية لمحاربة إرهاب هذا التنظيم، غير أن عدة تحليلات تشير أنه ومع أهمية مشاركة دول مثل السعودية والمغرب ومصر والأردن ... في هذه الحرب ، إلا أن هذه الجهود ستصطدم بوجود خلافات وتنافس حقيقي بين السعودية وإيران .

خلافات السعودية مع إيران

كلتا الدولتين سواء السعودية أو إيران تريان أن تنظيم داعش يشكل خطرا حقيقيا عليهما ، وكلا الدولتين من مصلحتهما محاربته ومحاصرة تمدده ، إلا ان كلا البلدين حريصان على مصالحهما في كل من العراق وسوريا والمنطقة بشكل عام وتنتابهما مخاوف من بعضهما البعض ، إن تضارب المصالح بين كل من إيران والسعودية يلقي بضلاله .

لقد امتنع بشار الأسد عن مهاجمة تنظيم الدولة الإسلامية في البداية ، وذلك رغبة منه في أن تستمر المواجهات بين هذا التنظيم وبين الجيش الحر من جهة ، وبينه وبين جبهة النصرة من جهة أخرى ، وذلك بهدف إضعافهما معا ، ورغبة منه أيضا أن يستثمر شراسة وتطرف هدا التنظيم ليعيد الاعتبار لنظامه وأهمية استمراره كشريك لا غنى عنه في مواجهة خطر الإرهاب في المنطقة .
بعد ذلك سيغير النظام السوري خطته بمهاجمة هذا التنظيم في الرقة في سوريا ، في ما حشدت إيران قواتها الشيعية المشتركة بين كل من حزب الله حليفها في المنطقة ، وبين نخبتها المقاتلة الحرس الثوري للمساعدة في مقاتلة هذا التنظيم قبل أن تطأ أقدامه أراضي إيران .

في الجانب الأخر وأمام اندلاع حدة الخلافات الطائفية والمذهبية في العراق وتمكن تنظيم داعش من استمالة تعاطف السنة بالموصل بفعل سياسة المالكي ، تعتبر السعودية إزالة هذا الأخير ، أي المالكي الحليف القوي لإيران ، ووجود مؤشرات على رفع تمثيلية السنة في حكومة وحدة في العراق من شأنه أن يحد نسبيا من نفوذ إيران في العراق ، وأن يضمن بعض التوازن بين أهل الشيعة وأهل السنة في العراق .

السعودية ضد داعش و ضد بشار

الخلافات الإيرانية السعودية ليست فقط خلافات حول مستقبل العراق، الخلافات أيضا توجد في سوريا، وفي مستقبل نظامه السياسي، فالسعودية ورغم تأكيد نظام بشار الأسد عن رغبته في المشاركة في أي عمل دولي ضد داعش، مما قد يوفر قاعدة تفاهم بينه وبين السعودية ودول أخرى، إلا أن السعودية سارعت في الرد على تصريح بشار، بمعارضتها أي تقارب مع نظام بشار الذي بحسبها أهان شعبه وقاتله، مجددة دعوتها للبحث عن بديل يجري التوافق عليه بين مكونات الشعب السوري .

إن موقف السعودية من النظام السوري ليس موقفا بسبب ما تصرح وتعيد التصريح به أنه نظام غير ديمقراطي، بل بسبب ما يسميه العديد من الباحثين بـ " التنافس الإستراتيجي بين السعودية وإيران ". لقد أقام نظام الأسد علاقة قوية مع إيران الشيعة، وبالرغم من الضغوطات الدبلوماسية والسياسية التي قادتها السعودية ضد نظام الأسد قبل 2011 تاريخ اندلاع ما سمي الربيع العربي بهدف فك هذه العلاقة، فإن جميع محاولاتها باءت بالفشل، وشكلت في مجموعها إهانة للسعودية التي تقدم نفسها زعيمة عربية سنية في كل ما يتعلق بشؤون الشام والقضية الفلسطينية .

لقد شكلت الانتفاضة ضد نظام الأسد التي اندلعت في سياق ما سمي الربيع العربي فرصة ذهبية للسعودية، للعمل على إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا وفرصة للانتقام مما لحقها في العراق نتيجة التحالف القوي الذي نسجت خيوطه سياسة نور المالكي مع إيران ، بل وفرصتها الذهبية لتعويض خسارتها في لبنان بعد أن هيمن حزب الله الشيعي وأضعف نفوذ السنيين حلفاء السعودية في لبنان.

مخاوف غربية حقيقية من تنامي خطر الإرهاب 

لن ينتظر الغرب كثيرا والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، إلا أن تسوى، أو على الأقل لا تكون ضمن أولوياتها الحالية خلافات إيران مع السعودية. صحيح أن أمريكا ضغطت على المالكي للتنحي والتقت في ذلك مع إيران وحتى مع السعودية إلى حدود كبيرة، إلا أن خطر داعش يضغط أكبر لتوجيه ضربة عسكرية قوية ضده، حتى دون انتظار النتائج التي ستترتب على مساعي رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي .

حوالي مائة أمريكي يعملون لصالح جماعات دينية متطرفة في سوريا، البنتاجون الأمريكي الذي أشار إلى هذا العدد، رجح أن هؤلاء يعملون لصالح تنظيم داعش. مسئولون أمريكيون عبروا عن قلقهم من وجود عدد كبير من المقاتلين الغربيين الذين يحملون جوازات سفر غربية، تمكنهم من دخول الأراضي الأمريكية وحتى الأوروبية بسهولة، وهو ما ينمي من مخاوف و خطر تنفيذهم لأعمال إرهابية في أمريكا كما في أوروبا. ويدفع وبقوة هذه الدول للجوء للقوة للقضاء على هذا الخطر الإرهابي القادم.

حل الأزمة السعودية الإيرانية كفيل بالقضاء على "داعش"

بدأت تدق طبول الحرب ضد تنظيم داعش، لكن هذه الحرب سوف لن تتمكن من هزم الإرهاب بشكل حاسم، ما لم يجر حل القضايا السياسية العالقة بين القوتين الرئيسيتين في المنطقة، إيران والسعودية، ذلكم ما تذهب إليه أغلب التحاليل.

ستظل السعودية متوجسة من مستقبلها في سوريا بعد القضاء على تنظيم داعش، وحتى تنظيم النصرة في سوريا، ما لم يجر التوصل لحل يبعد الأسد على السلطة ويمكن السنة وهم الغالبية في سوريا من الحكم ، وستظل متوجسة أيضا من مستقبلها في العراق ما لم يؤد حل إبعاد الملكي وتعويضه بالعبادي ، لضمان تمثيلية واسعة للسنة في حكم العراق.

حسم أوباما خياراته في مواجهة تنظيم الدولة، بالسعي لإقامة أوسع شراكة مع شركائه السنة، وبالرغم من أهمية ه*ه الإستراتيجية من الناحية الإقليمية، فإن تقديرات جل المحللين تذهب في اتجاه التشكيك في نجاح هذه الخطة، طالما جرى القفز على حيوية إحداث نوع من التقارب بين إيران والسعودية .