المريزق المصطفى ناشط حقوقي

في الأسبوع الماضي من شهر غشت هذا العام (2014)، غادرنا الشاعر الفلسطيني المحبوب سميح القاسم بعد صراع طويل مع المرض؛ غاب عنا ابن الزرقاء (مسقط رأسه بالأردن) و الرامة و الناصرة (حيث نشأ و تابع دراسته بشمال فلسطين)، لم يعد بيننا الطفل الدورزي و الشاب القومي و المناضل الوطني و الشاعر ألأممي.. سافر عنا شاعر القضية بعيدا، مخلفا وراءه ثروة ثقافية و فكرية تعد بالعشرات (أزيد من 80 كتاب حول مختلف أجناس الأدب).
أستحضر عظمته اليوم منشدا إحدى قصائده الرائعة التي تحمل عنوان " خطاب في سوق البطالة" يقول في مطلعها:
<< ربما أفقد - ما شئت- معاشي
ربما أعرض للبيع ثيابي و فراشي
ربما أعمل حجارا.. و عتالا.. و كناس شوارع..
ربما أبحث، في روث المواشي، عن حبوب
ربما أخمد..عريانا.. و جائع..
يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم..
و إلى آخر نبض في عروقي..سأقاوم!!..>>
أستحضره بعدما تلقيت طوال هذا الأسبوع طلبات دعم و مساندة من لدن العديد من أبناء الوطن العزيز، فئة المجازين العاطلين و هم يغنون مع الراحل الشاعر محمود درويش " موال " و الذي يقول قي مطلعه:
<< خسرت حلما جميلا، خسرت تسع الزنابق
و كان ليلي طويلا، على سياج الحدائق
و ما خسرت السبيلا
لقد تعود كفي على جراح الأماني
هزي يدي بعنف ينساب نهر الأغاني..
"يما.. مويل الهوى يما .. مويليا
ضرب الخناجر و لا حكم النذل فيا" >>
رحبت بدعوة الإخوة المعطلين، ولو أنه ليس لي لا القوة و لا القدرة و لا أي مسؤولية لتحقيق ما يصبوا إليه هؤلاء الشباب من أبنائنا الذين أصبحوا يعيشون في شوارع المدن و عند قمم الجبال و أمام مداخل القرى و المداشر و عالة على عائلاتهم.
و رغم هذا الموقف المحرج و الصعب، قررت التضامن مع هؤلاء و مع حركاتهم بكل ما أملك من قوة و نفس و معرفة بآثار وجودهم الحقيقي و واقعهم الاجتماعي، و حالتهم الإنسانية التي تستحق الانتباه كل يوم.
من هذا المنطلق أبدأ تضامني، و بهذه الوسيلة أفتح قلبي لهذه الشريحة من المجتمع التي باتت مهددة بالفقر و الاستبعاد الاجتماعي. لكن هل يكفي هذا النوع من التضامن؟ طبعا لا..
و نحن مقبلون على سنة جامعية جديدة، أتساءل بصوت مرتفع و أقول: لماذا ستفتح جامعاتنا أبوابها إذا كانت ستخرج المعطلين في آخر الموسم؟ و هل حالة التطبيع مع ظاهرة البطالة كأمن و ظيفي لا تقلق الحكومة كما تقلقها أنواع الأمن الأخرى؟
إن توالد حركات المعطلين في مجالات علمية مختلفة، توضح بشكل ملموس أن الجامعة المغربية في واد و تحول الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد المعرفة في واد آخر. و طبيعي جدا أن يكون حال الجامعة المغربية على هذا الحال في زمن مشهد سياسي نكوصي ينتج العقم و لا ينتج برامج اجتماعية لحل مشاكل الناس. و لن نجد مثل هذه الفرصة لنقول أن غياب برنامج اقتصادي سياسي و اجتماعي متكامل للحكومة الحالية، ستكون له عواقب وخيمة تمس الجميع حتى من يتفرجون على الوضع من فوق أو من بعيد و يعتقدون أنهم أذكياء أكثر من الناس..
إن العجز الحكومي الذي بلغ اليوم حد الشلل، يظهر عجز مخيف في التعامل مع مطلب المعطلين و مطالب التمدرس و السكن و التطبيب. و هي خاصية من خصائص هيمنة الدولة الزبونية على الوضع في بلادنا، ما يجعل هؤلاء المعطلون في مأزق نقرأ فيه أنفسنا و ننظر من خلاله إلى التحول الذي أصاب النخب السياسية و الثقافية و المدنية التي تحولت إلى متفرج غير قادر على الإنتاج، تنظر إلى مثل هذه الظواهر الاجتماعية كما تنظر لحادثة يومية من حوادث السير حينما تمس أناسا لا تعرفهم.
و يكفي أن ننظر من حولنا إلى أوضاع هؤلاء المعطلين، لنرى كيف كانت تفيض طاقاتهم و رغبتهم العميقة في التحرر من طوق كابوس العطالة و توقهم للعيش الكريم، و كيف تحولت حياتهم إلى جحيم قد يحولهم إلى متطرفين وعدميين و ربما إلى مشردين في الشوارع.
و رغم أن العالم أصبح اليوم على كف شاشة، و رغم أن جغرافية المغرب أصبحت مكشوفة الأسرار، و رغم أن المعلومة حول أوضاعنا الاقتصادية و الاجتماعية صارت ناطقة بالصوت و الصورة، و رغم أن دائرة الوعي في أوساط نخبنا زادت التحولات الكبرى من مكانة و وظيفتها، ظلت الدولة الزبونية غير مبالية بالانشطار الذي بات يهدد مجتمعنا، الذي لم نعد نعرف هويته الحقيقية.
لقد امتصت هجرة المغاربة إلى الخارج منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى بداية الألفية الجديدة، جزءا كبيرا من مأساة المغاربة من كل ربوع الوطن. كان ذلك أيام " مغرب البون" و أيام "أحداث الريف" و أيام السنوات العجاف بالنسبة للمغاربة الذي لم يجدوا مكانا لهم في مغرب ما بعد الاستقلال. ذات الهجرة كانت إلى الضفة الأخرى، حيث تطور الصناعة الحديثة و المصانع الإنتاجية الكبرى و السكك الحديدية و ميترو الأنفاق والأسواق المنتجة التي و جدت محركها اليدوي في معدننا البشري.
و اليوم، تغيرت الدنيا و صرنا نشهد على هجرة المصانع و الفرار من الضرائب، و تم حرمان أعداد هائلة من المهاجرين من قوتهم اليومي، و من مصادر رزقهم.
هذا مثال مكشوف يساعدنا و لو قليلا على فهم النسق الاجتماعي الجديد الذي عجزت الدولة الزبونية عن التفاعل معه، لأنها لا تؤمن بالتغير و البدائل، و تعيش وجودها من دون مشروع مجتمعي و من دون تخطيط للمستقبل.
و الدولة الزبونية هي الدولة التي تعيش عجزا ماديا و معنويا بنيويا، هي الدولة الغير القادرة على حل القضايا الحيوية، و هي التي تجر مجتمعها إلى الحضيض و الانحلال و التفسخ، أو هي الدولة القادرة على إدخال مجتمعها في نظام جديد يعجز عن إنتاج الحياة. و الدولة الزبونية باختصار، هي دولة اللاقانون و اللاحقوق.
و مهما يكن، إن مأساة المعطلين تطالبنا اليوم بإصلاحات سياسية و اقتصادية و تربوية مستعجلة. و كل هذه الإصلاحات مرتبطة فيما بينها. بل أكثر من ذلك، إن أي إصلاح سياسي رهين بإصلاح فكري و الذي لا يمكن تحقيقه من غير إصلاح تربوي شامل.
و بالعودة للحديث عن دور النخب الآن في ظل الدولة الزبونية، نتساءل عن سكوتها على ما يحدث من جرائم اجتماعية في حق أبناء الشعب من حرمان قصري يخص المدرسة و الصحة و الشغل و السكن. صحيح أن هناك أزمة اقتصادية عالمية هي، من تجليات العولمة الراهنة مثلما هي من أسبابها البنيوية على حد سواء، غير أن آثار هذه الأزمة تجاوزت سقفها لتشمل كل القطاعات التي ذكرناها من قبل و على أرسها قضية التشغيل باعتبارها القضية الأم التي تدور حولها الكرامة/كرامة الإنسان. لأن من لا شغل له لا يمكن أن يلج المدرسة و حقل المعرفة، و لا يمكن أن يكون له سكنا، و لا يمكن أن يكون له الحق في الصحة. و عن طريق الشغل، يندمج الفرد داخل مجتمعه أو يقصى منه ليعيش على هامشه.
و يجدر بنا أن نتذكر ما صرفته الدولة على هؤلاء الشباب المعطل من أموال، ليجدوا أنفسهم في الشارع رغم أن أغلبهم يتوفر على كفاءات في حاجة الجميع لبصيرتها و مهاراتها، كما لا يجب أن ننسى أن مثل هؤلاء هم أنتم، هم نحن جميعا، أبناء هذا الوطن الذي يجمعنا جميعا.
لنتذكر أن نشكر آباءنا و أمهاتنا، وهم من صهروا الليالي و ذاقوا العذاب الأليم من أجل تعليمنا، و من أجل توفير الأنظمة التعليمية و المعارف الجديدة في مجالات التعليم المجرد و غيره. و حتى يكون ما يسعى لتحقيقه المعلمون و المدرسون في المدارس و الثانويات و الجامعات و المعاهد له معنى من زاوية زواج المنظومة التعليمية مع احتياجات واقعنا، يبقى الحديث عن دور القطاع الخاص في مغرب تكبر و تنتعش فيه الزبونية و المحسوبية كل يوم بدل دولة القانون، حديث يستوجب ثورة هادئة. و من أجل ذلك، نقول جهرا أن ما يتطلبه هذا القطاع (القطاع الخاص) من متطلبات و مهارات للسوق الحديثة، و من حاجيات و معدات، يستوجب تدبيرها في دولة القانون و ليس في سوق الفوضى و الغش و المحسوبية و التملص الضريبي و عدم احترام القانون.
و أخيرا، لن نحلم بمقارنة جامعاتنا ب هارفارد و برنستون أو بركلي،أو بجامعات اليابان و أستراليا و كندا و الصين، لسبب بسيط و هو أن ترتيب الجامعات المغربية و التي أدرجه تقرير شنغاي يعتبر جامعاتنا خارج ترتيب أفضل 500 جامعة في العالم من أصل 17 ألف جامعة و معهد في العالم. و في انتظار تطبيق الدستور الذي يعتبر الحق في الشغل حق من حقوق الإنسان، علينا مطالبة الحكومة بإعمال مبدأ التضامن و التكافل و تمتيع كل الفئات المعطلة بالحق من ثروة المغرب.
تحياني لمجموعة " التنسيق الميداني للمجازين المعطلين" و لكل المعطلين في المغرب.