بديل ـ المصطفى المريزق

قد يرى العديد من الفاعلين المغاربة و غيرهم في العديد من مجالات اشتغالهم و اهتماماتهم، في موقفنا الأخلاقي و المبدئي من فاجعة الطالب الشهيد مصطفى المزياني، نوعا ما من المزايدة السياسية و ربما نوعا من اللغو اللغوي و المراهقة الطائشة التي لا يحكمها العقل. و قد يتوهم البعض أن هذا الموقف يصفي حسابا سياسيا مع جهة ما بطريقة دنيئة و مندفعة و مدفوعة من أعداء وهميين أو من أشباح حلقات النضال المبتورة عن الواقع.

لا يهم كل هذا الكلام، مادمنا نعبر عن ثوابتنا الراسخة بكل حرية و جرأة، لأننا نعرف معنى الحق في الحياة و ذقنا عذاب "فيلا التاجمعتي بملعب الفرس بفاس" و "كوميسارية البطحاء بفاس" و " ثكنة السيمي بفاس" و "درب مولاي الشريف بالدار البضاء" و "سجن عين قادوس بفاس" و "السجن المركزي بالقنيطرة" و تعرفنا في طريقنا على "سجن تولال بمكناس" و "سجن الزاكي بسلا".. و ختمنا مشوارنا (ما كتبه نظام الجمر و الرصاص علينا) بمنفى اختاري في فرنسا.. قادنا للتعرف على جامعات العلمة و المعرفة و جمعيات المهاجرين و منظمات الدفاع عن الحق في الحياة و حقوق الإنسان في شموليتها.

و هكذا تحولت مع السنين مراهقتنا الطبيعية، و من دون عقد و لا أمراض بيولوجية، إلى نضج عاطفي و جنسي بعد ما ذقنا منذ طفولتنا أسمى أنواع الحب و أكثرها خلودا، قوت مشاعرنا الجميلة في ذاكرتنا و مواقفنا... و هكذا أنا/نحن...

اليوم، و في هذه اللحظة بالذات، يخوض رفاق الشهيد مصطفى مزياني إضرابا عن الطعام لمدة 20 يوما. هؤلاء قبل أن يكونوا معتقلين على ذمة التحقيق في ملف جنائي لم تقل العدالة فيه كلمتها بعد، هم طلبة، و المسؤول الأول عن الطلبة بعد العائلة هو السيد لحسن الداودي ووزارته الوصية على قطاع التعليم العالي.
هؤلاء المعتقلين الشباب، مكانهم الطبيعي هو مدرجات الجامعة و ليس السجن. هؤلاء الطلبة يجب على الوزير أن يزورهم كأب، و كإنسان و كمسلم، وكوزير.. لموساتهم و لتوفير لهم كل ما يحتاجون له من دعم و تقوية لمتابعة دراستهم و إنقاذهم من فاجعة جديدة.

طبعا، مثل هذا السلوك يتعلمه المرء في الحياة و ليس في النصوص الإيديولوجية و الأدبيات الحزبية...
سأظل و فيا لوصية المرحوم إدريس بنزكري الذي أوصانا جميعا بتسليم كل ما نملكه عن تجربة اعتقالنا للمتحف الذي كان يحدثني عنه و هو طريح الفراش بباريس. و لازلت أنتظر تحقيق حلم المرحوم على أرض الوقع و ليس الوهم الذي قدمه لنا أحد المسئولين البارزين في المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
أما تركتي من أيام الجد و النشاط و العنفوان و الاعتقال هي مئات الرسائل و البيانات التضامنية التي كنت أتوصل بها من مختلف بقاع العالم و من مختلف الشرائح الاجتماعية و من مختلف الأجناس و الانتماءات السياسية و النقابية و الجمعوية و الدينية.

هذه الرسائل من ضمنها رسائل شخصيات عالمية بارزة، و منها أشرطة مسجلة.. و عنوان كل هؤلاء: التضامن و المطالبة بإطلاق السراح أو توفير شروط إنسانية و اجتماعية حقيقية أثناء الاعتقال و توفير شروط المحاكمة العادلة، مع احترام عائلة المعتقل و أصدقائه و ذويه.
أحتفظ كذلك بالهدايا الرمزية و الثمينة منها التي كنت أتلقاها دعما و مساندة لتحدي شروط الاعتقال... و لم يسألني يوما ما و لو واحدا من بين هؤلاء المؤمنين الشرفاء الحقيقيين عن نسبي أو حسبي أو إنتمائي السياسي و الإيديولوجي.

طبعا الزميل الداودي لا يمكن أن يمتلك هذا الوعي الإنساني قبل الحقوقي، و أنا أعذره. وكم أنا سعيد بكونه لم يكتوي يوما ما بنار الاعتقال و بعذاب الأقبية..لكن هذا ليس مبررا ليتحول السيد الوزير إلى ماكينة سياسية و إيديولوجية لإهمال أبناء الشعب و تركهم يموتون كالحشرات و ترويج ضدهم تهم رخيصة و بئيسة باسم الدين.
في باريس، و في بداية مساري "الهجروي" و الدراسي، تعرفت على العديد من الجمعيات و المنظمات العمالية و الحقوقية و الإنسانية، و اشتعلت مع العديد منهم تطوعيا، لأكتشف أن قيمة الإنسان في فلسفتهم هي قيمة تسمو فوق كل القيم التجارية و التبادلية، و أن مناهضة التعذيب على نطاق واسع، و مناهضة الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة في حق النشطاء مبادئ انصهرت في كل بقاع المجتمع من خلال تفعيل القاوانين الدستورية المتصلة بحقوق الإنسان و دور المؤسسات المستقلة المعنية بحقوق الإنسان.

ليس لي أي مشكل شخصي مع السيد الوزير، فهو زميل لي كباقي زملائي الأساتذة الباحثين و من بين الأساتذة المحترمين الذين جمعتنا معه كلية الحقوق بفاس خلال ثمانينات القرن الماضي. أما لكونه وزيرا وصل إلى المسئولية عن طريق حزبه الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعي الماضية، فهذا لا يمنعنه من المساءلة و المحاسبة. و إذا كان يحترم نفسه فعلا، فليقدم استقالته و هكذا سيكون سلوكه هذا سلوكا مواطنا يعطي الدروس و العبر للجميع.
أن الطلبة المضربون عن الطعام بسجن فاس يجب إنقاذ حياتهم، و على الوزير لحسن الداودي أن يتحلى بالشجاعة الأخلاقية و الإنسانية و ينظم زيارة لهؤلاء و يوفر لهم شروطا إنسانية قبل إطلاق سراحهم.

نعم للمحاكمة.. لكن محاكمة من؟

إن من يجب محاكمته أمام الرأي العام و بحضور كل المسئولين هو السياسة الجامعية، طبعا في شخص القائمين على تدبيرها و المسئولين عن فشلها، أما الطلبة فهم ضحية.
بالله عليكم، أتعرفون من أين يأتي غالبية هؤلاء الطلبة؟ أتعرفون شيئا ما عن واقعهم الاجتماعي؟ أتعرفون من المسئول عن العنف داخل المجتمع و داخل الجامعة؟ أتعرفون من ينتج التطرف بكل أشكاله؟ أتعرفون معنى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان و الجهود الرامية إلى ملائمة كل التشريعات مع الإصلاح الدستوري؟ أتعلمون بالخصاص المدقع في المغرب العميق في غياب سياسة عموممية موحدة يستفيد منها كل أبناء الشعب؟ و هل أنتم مستعدون لمحاكمة البلد الذي ننتمي إليه بتهمة الفقر و البؤس و الحرمان و الحكرة؟
إنكم غافلون..عن هذا و ذاك. لكننا لن نسكت.. و قولوا عنا ماشئتم: زنادقة، ملاحدة، مخزنيين، إصلاحيين، رجعيين، يساريين، إنتهازيين، منبطحين..إلخ.

قولوا عنا ما شئتم...!!!

فنحن لا نطالب إلا بربط المسؤولية بالمحاسبة، و بعدم الإفلات من العقاب، و بإستقلالية القضاء و احترام القضاة و حمايتهم من أي تدخل كيفما كان نوعه. لا نريد سوى العدالة الاجتماعية، لا نريد سوى توفير الخدمات الطبية و الآمن الاجتماعي و السكن و التعليم الجيد، لا نطالب سوى بالشغل للمعطلين، لا نطالب سوى بوقف العنف ضد النساء و توفير الصحة الجنسية و الإنجابية لهن و اعتبارها حقا أساسيا غير قالب للتصرف، لا نريد سوى تنمية اللغات الأصلية و شعوبها و تنفيذ إستراتيجية وطنية للحكامة الإدارية و إقامة العدل، لا نريد سوى معاملة إنسانية للمهاجرين تضمن لهم حقوقهم الأساسية كمواطنين هنا و هناك، لا نريد سوى حماية الأطفال من العنف و الاغتصاب، لا نريد سوى سياسة متكاملة و ايجابية تجاه الإعاقة، لا نريد سوى كرامة المتقاعدين و الارامل..

قولوا عنا ماشئتم..!!!

فنحن نريد ديمقراطية قاعدية تقوم على التشاور و التكامل، نريد ديمقراطية قاعدية تعني بالتعاون في إطارالإجراءات الخاصة بحقوق الإنسان، نريد ديمقراطية قاعدية تقوم على الثقة و ليس الخوف، نريد ديمقراطية قاعدية تقوم على احترام الحريات الفردية و الجماعية، نريد ديمقراطية قاعدية تقوم على التدبير المشترك للفضاءات العمومية، نريد ديمقراطية قاعدية قائمة على التوافق بين المذاهب الفكرية و الدينية فيما يتعلق بمدونة الأسرة و مراعاة الخصائص الثقافية، نريد ديمقراطية قاعدية قائمة على احترام الحق في الحياة، نريد ديمقراطية قائمة على احترام الفنون و الأذواق...نريد كل شيء ما عدا ظلامكم و تعاستكم و حقدكم على كل من يعشق الحياة..أنتم، بمختلف مدارسكم و توجهاتكم، تنتجون القوالب و الفرامل أو تروجون لها من دون أن تشعرون.
فإذا كان كل هذا يزعجكم و يحرج البعض منكم و يدخل القنط على من يعتقد أن له رخصة احتكار هذه المطالب و هذا الطموح.. فقولوا عنا ما شئتم!!! و يوم نموت نرجو منكم عدم الذهاب في جنازتنا..

فبيننا و بينكم الحياة قبل الموت..!!!


المريزق المصطفى أستاذ باحث بجامعة مولاي إسماعيل، مكناس (المغرب)