بالنسبة لموضوع المراسلة الصادرة عن وزارة الصحة بتفويض من وزير الصحة والذي يؤرخ بيوم 1 من شهر يوليوز 2016 تحت رقم 1497 بتاريخ الأرسال من مندوب وزارة الصحة فإنه يتعلق بموضوع التوقيف الاحتياطي عن العمل، وذلك راجع إلى مراسلة للسيد مندوب وزارة الصحة بالإقليم عدد 1511 بتاريخ 24-06-2016 في حق السيدة : الفيافي الزهرة بصفتها ممرضة في قطاع وزارة الصحة، وبالمندوبية الخاضعة لنفوذ الرئيس الإقليمي المباشر السيد مندوب وزارة الصحية بإقليم الحسيمة.
وقد نسب إليها حسب منطوق الرسالة الخاصة بالتوقيف الاحتياطي عن العمل ارتكاب هفوة خطيرة تتمثل في:
- رفض تلقيح الأطفال وهو ما يعد إخلال بالواجب المهني المنوط بها بصفتها ممرضة.
- عدم كتمان السر المهني بحيث عملت على تسريب معلومات تخص اللقاح المستعمل للأطفال.
- تجاوز الصلاحيات المخولة لحدود وظيفتها وتجلي ذلك في مراسلتها الجماعة المحلية لتبليغهم بأن اللقاح المستعمل بالمركز الصحي فاسد ولا يصلح لتلقيح الأطفال.
وقد رأت الإدارة أن التوقيف الاحتياطي المؤقت عن العمل في أنظار العرض على المجلس التأديبي راجع لانسجام التهم في حق السيدة الفيافي الزهرة تستدعي ذلك حيث عملت كذلك على توقيف راتبها مع الإخبار بالإجراءات المطلوب من الممرضة علمها فور توصلها بالمراسلة موضوع التحليل بتوقيع المراسلة إخبارا بالتوصل الذي بموجبه يبدأ أمد سريان التوقيف الاحتياطي وإجراءات إدارية ترتبط بالمندوبية حيث طُلِب إلى المندوب التعجيل بإخبار مديرية الموارد البشرية بمحضر التوقيف عن العمل وموافات المديرية بالملف الكامل سواء الاستفسارات الكتابية ومحضر لجنة البحث التمهيدي وباقي وثائق الملف التأديبي.
إذا هذه أهم معطيات الملف وحيثياته والتي تؤطر موضوع المراسلة الإدارية. فماذا عن مطابقة هذه الإجراءات للقوانين الساري بها العمل؟ وما مدى مطابقة منطوق موضوع المراسلة للدلائل القانونية المقدمة والنازلة؟ وماهي الإجراءات القانونية التي ستتبع ذلك من جانب الإدارة ومن جانب الممرضة؟ وهل ستتخذ في حقها عقوبات؟ وماهي العقوبات الممكن اتخاذها في حق السيدة الفيافي الزهرة في هذه الحالة؟ وما نوع الإجراءات الممكن اتخاذها بعد ذلك من الجانبين تطبيقا لمقتضيات القوانين الساري بها العمل؟
التحليل:
شكلا: توفرت هذه المراسلة موضوع التحليل على ضوابط المراسلات الإدارية والتي تضمنت المرسل والمرسل إليه وتاريخ الإرسال كما حددت الموضوع والإطار المرجعي الذي استندت إليه فالتحية ثم توقيع السلطة المراسلة التي لها حق اتخاذ هذا القرار وهي السلطة التي حق لها التسمية. لكن مع ذلك هناك ملاحظات:
الملاحظة الأولى: بخصوص الشكل والتي تتمثل في سرعة المراسلة ما بين المندوبية ووزارة الصحة هو سرعة المراسلة الإدارية فقد تم جواب مراسلة في نفس يوم الإرسال وهو يوم 1 يوليوز 2016 والذي كان يوم جمعة مع العلم أن الحادثة تمت قبل ذلك بنحو أسبوع مما يعطي ارتساما حول امكانية التسرع في إصدار الحكم وهو يفسر أحد الأمرين:
الأول: أن تكون هذه الممرضة على درجة عالية من الخطورة وبالتالي فالسرعة في هذه الحالة مطلوبة.
الثاني: أن تكون هذه السرعة من أجل إجراءات تنفيد القانون وبالتالي فهي تعطي صورة حول درجة التثبت التي لا تجتمع والسرعة في أغلب الأحوال.
الملاحظة الثانية: لم تتوسط التحية الورقة وجاءت في الجانب وهذا الجانب وإن كان شكليا لكنه يعطي قيمة للمراسلة من حيث كونها مرسلة من وزارة الصحة.
الملاحظة الثالثة: استعمل السيد وزير الصحة عبارات لا تنسجم في استعمالها في المراسلات الإدارية من قبيل: " أخبرك بأنني قررت توقيفك احتياطيا عن العمل" وهذه العبارة تحيل من حيث المعنى إلى الخطاب الموجه من الوزير وكأنه في خصومة شخصية والممرضة وكان من الأولى أن يكتب فيها " بناء على المرجع أعلاه نخبرك أنه تقرر توقيفك احتياطيا عن العمل".
هذا من حيث الشكليات المعتمدة عرفا على مستوى المراسلات الإدارية، فماذا عن مضمون الموضوع والمرجع المؤطر له؟
اما من حيث مضمون المراسلة فقد تم الاستناد في التوقيف المؤقت عن العمل على رسالة السيد مندوب وزارة الصحة بالحسيمة عدد رقم 1511 بتاريخ 24/06/2016، والمرجع القانوني الذي يؤطر مرجع المراسلة هو الفصل 73 من الظهير الشريف لسنة 1958 الذي يعتبر بمثابة نظام اساس عام للوظيفة العمومية، وجاءت الأفعال المنسوبة للممرضة على الشكل الآتي:
أولا: رفض تلقيح الأطفال وهو ما يعد اخلال بالالتزامات المهنية رغم التعليمات الصادرة عن الرؤساء.
ثانيا: تسريب معلومات مهنية ونشر إشاعات حول لقاح اعتبرته فاسد.
ثالثا: عدم الالتزام بحدود الصلاحيات القانونية الموكولة للممرضة ومراسلتها للجماعة المحلية بخصوص أن اللقاح فاسد ولا يصلح لتلقيح الأطفال.
وإذا ما نظرنا من حيث المنسوب إلى الممرضة والمرجع القانوني المستند إليه في ذلك فإننا نجده هو الفصل 73 من ظهير 1958 وهو الذي ينص على توقيف الموظف حالا في حالة الهفوة الخطيرة سواء تعلق الأمر بالإخلال بالالتزامات المهنية أو جنحة ماسة بالحق العام، لكن الفصل يحدد ايضا كون أن التوقيف الاحتياطي يجب أن يتضمن تصريحا بإمكانية الحصول على المرتب طيلة مدة التوقيف أو القدر الذي سيتحمله الموظف من الاقتطاع، وهذا ما لا نجده في مضمون الرسالة الإدارية غرض التوقيف الاحتياطي، ولا يمكن الحرمان المؤقت من كل الأجرة إلا عندما يتعلق الأمر بعقوبة والعقوبة لا يمكن أن تصدر إلا بقرار من المجلس التأديبي كما يشير الفصل 66 من ظهير 1958.
وبالتفصيل في الأفعال المنسوبة للمدعى عليها فإننا نجدها على الشكل الآتي:
أولا: هل يحق للموظفة أن ترفض تلقيح الأطفال؟ إن حق التلقيح من الحقوق الطبيعية التي يتمتع بها الأطفال وقد أوجبت القوانين على أولياء الأمور إجبارية التلقيح وفق تواريخ محددة حتى السنة الخامسة، ويعد إخلالا بالواجب المهني إذا ما رفضت الممرضة أداء هذه المهمة، لكن بالنظر إلى القوانين نفسها والتي تضمن حق الممرض كذلك في الامتناع عن التلقيح إذا ما تبين أن المواد المستعملة لا تتوافق والمعايير القانونية للتلقيح وهو الأمر المثبت في مراسلة المعنية للإدارة حيث راسلتها بتاريخ 15/06/2016 في موضوع قصد تزويد المركز بثلاجة أخرى وحيث أن الثلاجة موضع المراسلة اصبحت تتجاوز الحدود القصوى المسموح بها حسب موضوع الرسالة من ثماني درجات إلى ثمانية عشر درجة، كما راسلت السيد المندوب بتاريخ 20/06/2016 في الموضوع المشار إليه قصد الإذن بالتخلص من تلقيحات مجودة بالمركز، وقد ذكرت المدعى عليها بتفصيل أسباب ذلك بكون الثلاثة الوحيدة لم تعد قادرة على ضبط الحرارة المناسبة مما أدى إلى ارتفاع درجة الحرارة المطلوبة لحفظ الأدوية المشار إليها في المراسلة المذكورة والتي تشير إلى إمكانية استعمال دواء puc وعدم إمكانية استعمال التلقيحات مثل rot و vpc مع توقيع الإدارة المسؤولة على الوثيقة.
وحسب المراسلتين المؤرختين بتاريخ 15 و 20 من شهر يونيو 2016 فإنه يتضح أن الممرضة في هذه الحالة قد طلبت وبشكل صريح تدخل الإدارة قصد معالجة المشكل وهي ملزمة بالإجابة عن هذه المراسلات بالجواب الذي تم والذي لم نحصل عليه إلى حدود الساعة، وما حصلنا عليه هو المراسلة المؤرخة ب 23 يونيو 2016 من السيد مندوب الصحة بجهة الحسيمة والتي تحمل استفسار عن سبب مراسلة الجماعة القروية قصد إخبارهم بالتوقف عن عملية التلقيح بسبب عطب لحق بأجهزة تبريد اللقاحات بدون إخبار الإدارة المحلية وهو ما يتنافى والمراسلات السالفة الذكر بتاريخ 15 و 20 وحيث أن موضوع الاستفسار انبنى على مراسلة المدعى عليها للجماعة ثم بناء ما سبق من أفعال منسوبة للمدعى عليها ثم تأطيرها بإطار الفصل 73، فإنه يتعين عينا أن نبحث في كون وجود مراسلة فعلا للجماعة المذكورة هذا أولا ثم النظر إلى الفعل هل يستحق ما نسب للموظفة مما هو منسوب إليها، ولما كان التعاون الحاصل بين الجماعة المحلية ووزارة الصحة من المسلمات القانونية في إطار استعمال الإسعاف وحتى تبادل الموظفين والأدوية من الأعراف التي لا أملك عليها دلائل قانونية فإنه توجب النظر إلى مراسلة المدعى عليها للجماعة إن وجدت من باب التحرز في وصول وقت التلقيح وتفاديا لحضور سكان الجماعة المذكورة إلى مقر التلقيح قصده سيكون مكلفا وقد يعرض حياة الأطفال إلى الخطر استنادا إلى مدى صحة المعلومات المدلى بها والتدابير التي قامت بها الإدارة في خصوص الثلاثة واللقاحات، وكون أن التلقيح باللقاحات الفاسدة سيعرض المدعى عليها إلى المتابعة الجنائية في حالة تعرفها على فساد اللقاح مع استعماله.
فإن الأفعال المنسوبة إلى المدعى عليها من طرف الإدارة يلزمها ما يلي:
- أولا: إتمام ملف المتابعة الإدارية وخصوصا جواب الإدارة عن مراسلات السيدة الفيافي الزهرة.
- ثانيا: الإجراءات التي تخص صحة المعلومات المدلى بها والتي تتطلب إجراء زيارة تقنية وفتح تحقيق بخصوص مدى صلاحية الثلاجة والتلقيحات.
وفي انتظار استكمال الإجراءات التي تخص ذلك يحسن النظر إلى هذا الإجراء بكونه إجراء احترازي، سيسفر عنه مثول الموظف (ة) أمام المجلس التأديبي داخل أجل أقصى مدته أربعة اشهر إن لم تحرك فيها مسطرة المجلس التأديبي يعتبر الموظف في حالة استئناف لعمله كما يشير الفصل 73 من نفس القانون، إلا إذا تعلق الأمر بحالة جنائية فهي التي ينتظر فيها بث المحكمة في الأمر ثم اتخاذ قرار بعد ذلك وقد تتخذه دون حضور المعني بالأمر في حالات معينة تستلزم ذلك (وهو غير موافق لهذه النازلة).
ويحق للمدعى عليها أن تطلب الاطلاع على كامل الملف الموضوع ضدها لدى المجلس التأديبي كما يخول لها القانون أن تنتدب من ترى فيه القدرة على الدفاع عنها مع اخبار المجلس التأديبي قبل ذلك بمدة 48 ساعة على الأقل أو تكلف محاميا إلى غير ذلك.
كما يجب على المجلس أن ينعقد في اقرب وقت كما تشير المراسلة من السيد وزير الصحة والتي مرجعها الفصل نفسه وعلى المجلس أن يتخذ قرارا في شانها يعلن لها في حدود شهر من انعقاد المجلس التأديبي ، وبعد ذلك يمكنها أن تطعن على القرار إذا رأت فيه إجحافا في حقها أو الطعن لدى المحكمة الإدارية داخل أجل ستين يوما من تاريخ صدور القرار.
خاتمة:
هذا ولا أظن شخصيا أن العقوبة ستتجاوز التوقيف المؤقت عن العمل لكي تحفظ الإدارة ماء الوجه خصوصا في هذه النازلة التي يبدو بالجلي الواضح أن الممرضة الفيافي الزهرة تملك من الدلائل القانونية على قوة موقفها ما لا تملكه الإدارة، ويمكنها اثناء اطعن على الحكم الصادر في المحاكمة الإدارية بانتظار الإنصاف كما وقع في محاكمات سابقة من القضاء الإداري الذي يشهد له بالإنصاف.

المراجع المعتمدة في المقال هي:
- القانون الأساس للوظيفة العمومية 1.58.008 بتاريخ 1377/ 24 فبراير 1958 بشأن النظام الأساس العام للوظيفة العمومية.
- مراسلة السيدة الفيافي الزهرة بتاريخ 15/06/2016
- مراسلة السيدة الفيافي زهرة بتاريخ 20/06/2016
- مراسلة السيد المندوب بتاريخ 23 يونيو 2016
- مراسلة وزارة الصحة رقم 14605 بتاريخ 01/07/2016
- مقال للدكتور عبد الجبار كريمي بعنوان" التوقيف المؤقت عن العمل كإجراء تأديبي بين القانون والاجتهاد القضائي".