لقد جاء مقال السيد " إلياس " محملا بلغة قوية تستند الى جهاز مفاهيمي يتداخل فيه الحقوقي بالسياسي و الوطني بالدولي. حيث ينهل من تراكم حاصل و قراءة خاصة لآليات اشتغال الحقل الحزبي / السياسي مغربيا . ميلاد هكذا مولود في سياق نهاية الاستحقاقات التشريعية و بعد " صراع " قوي من لدن مختلف الفاعلين الحزبيين الذين وظفوا مختلف " الاسلحة " للنيل من بعضهم البعض بهدف إيجاد موطيء قدم في خريطة البرلمان . لغة السيد " إلياس " لا تخلو من شعور خاص و إن كانت تفتح المجال لكل التأويلات . من باب تحصيل حاصل ركوب اللغة المستعملة لاستنطاق نوايا الرجل و من غير المقبول أخلاقيا التشكيك في نسب المولود ( البيان ) الى أبيه . ليس من حق أحد أن يمارس الاستاذية على غيره و آن كان من عين الصواب التساؤل عن دواعي متابة البيان سيما أن مثل تلك الخرجات قليلة لدى الفاعل الحزبي . لست هنا لممارسة " أركيولوجيا " نقدية و لا استعمال المناهج الادبية لقراءة البيان . أبدا . و إن كنت أؤمن بأهمية البنيوية و التفكيكية و مختلف المناهج في قراءة النصوص . و البيان نص سياسي لا محالة .
من دواعي هذه المقالة رغبة قوية لدي باقتناص مفهوم المصالحة من كتاب السيد " إلياس " لاعتمادها للدفع قدما بالنقاش العمومي نحو الاحسن . مفهوم المصالحة يمتح من تصور حقوقي دولي / وطني من داخل تجارب الدول في مضمار ما نسميه حقوقيا " العدالة الانتقالية " . أرى أن استعمال كلمة المصالحة يكشف اعترافا ضمنيا بأن حالة الاحتقان كانت تؤطر حقل الممارسة السياسية مغربيا . بمعنى أن الحاجة الى المصالحة تأتي من فاعل خبر " فنون الحرب " منذ مدة لا ترتبط فقط بتجربة " حركة لكل الديمقراطيين " كقاعدة فكرية لحزب " البام " . بل تعود الى زمن اليسار السري ثم النضال الهوياتي . الأهم هنا أن البيان يدعو الى تجاوز مستعجل للصراعات الافقية التي تهدر زمن الوطن و الشعب . مثل هذه الدعوة التي تقعد الى المصالحة في استحضار للمعطى الاستراتيجي الدولي يبرز ان الشرط الموضوعي الخارجي أساس في بناء قناعة الدعوة الى المصالحة .
لا يمكن مهما كانت المواقف الشخصية و الانفعالات الذاتية و حجم الانتظارات أن نرفض الدعوة الى المصالحة ، و إن كنت شخصيا غير معني بها " . و لكن استحضار دقة المرحلة و حالة احتقان المجتمع و صعوبة ظروف العيش و غيرها من مؤشرات سلبية تحثم الايمان بأهمية الدعوة الى المصالحة . و من باب التأصيل و إيجاد ارضية إيجابية لهكذا مصالحة أسجل ما يلي .
& ضرورة بناء التوافق الوطني و إشراك حقيقي لمختلف الفاعلين من أحزاب و فرقاء إجتماعيين و حكماء الشعب من أجل ترميم الثقة و بناء ارضية صلبة للمستقبل .
& ضرورة إنصاف الشعب من خلال التفكير الجدي في القضايا الكبرى العادلة و إيجاد حلول لمشاكل البطالة و الفقر و توزيع الثروة .
& التسلح بالجرءة في اعادة النظر في ملفات التقاعد و التشغيل بالعقدة و انصاف ضحايا الشطط في استعمال السلطة الادارية .
& بناء مخطط الانقاد الوطني على ضوء خطابات صاحب الجلالة في باب توزيع الثروة و على قاعدة الوثيقة الدستورية .و إتمام تنفيد ما تبقى من توصيات " الانصاف و المصالحة " .
& العفو على القضاة المعزولين و إتاحة الفرصة لفرملة مناخ اليأس و التصالح مع السادة القضاة ، من داخل نادي قضاة المغرب ، و بناء جسور الثقة و التعجيل بالسماح بعودة القضاة المعزولين بعيد عن ملفات الفساد الى مناصبهم . و قضية القاضي الوطني الغيور محمد الهيني ، عنوان مرحلة الردة ، يجب أن تسوى على أساس السماح بالعودة الى ممارسة المهنة ؛ و لعله مؤشر لإقناع عموم المواطنين بأهمية حماية الامن القضائي لصالح المتاقضين و المرتفقين في مرافق السلطة القضائية.
& فتح حوار جدي ووطني لإنقاذ المدرسة العمومية بشكل يضمن التقسيم العادل للثروة الرمزية بين أبناء الوطن الواحد .
& امتلاك الجرءة و الحس الوطني في الحسم مع تقاعد الريع كفيل بتشغيل الالاف من المستضعفين و خلق الثروة و محاربة البؤس و كل ذلك سيحيي الامل في نفوس الطبقات الشعبية .
& التفكير الجدي في بناء ترسانة قانونية جديدة للحسم في القضايا العادلة مثل ضهير 1919 الخاص بأراضي الجموع في أفق ايجاد تسوية عادلة و منصفة لتقسيم الاراضي لصالح ذوي الحقوق ؛ آنه إجراء قمين يإنتاج الثروة و تشغيل الشباب و إنجاز مشاريع مدرة للدخل .
& خلق نقاش عمومي جدي للتفكير في معضلة المخدرات و الاقراص المهلوسة و كل الافات الاجتماعية التي تتهدد الامن الاجتماعي للمغرب . و التاريخ غني بأمثلة لحروب اعتمدت المخدرات للنيل من استقرار الاوطان. .( حروب الافيون بالصين ) .
& انصاف الشعب على مستوى هويته كفيل بالمصالحة مع الارض و مع الانسان . و قمين بإيرجاع الثقة من لدن الشعب بالدستور الذي نص على أهمية الامازيغية في هوية الارض المغربية و إنهاء مسلسل تحريف هوية الشعب لصالح التصالح مع الارض .
إن مثل هذه الاصلاحات قادر على بناء الثقة بين المواطن و الدولة و احياء الامل و بناء الوعي الوطني . فشخصيا سبق أن كتبت أن المغرب في حاجة الى ثورة ملك و شعب جديدة . لقد صوتنا كمغاربة لصالح الدستور . بمعنى أن الايمان بثوابت الوطن بما فيها الاختيار الديمقراطي لم يعد مثار مزايدات أو تشكيك . و عليه أؤكد أن السياق الدولي خطير جدا و أن التحولات الاقليمية صعبة . و مخطيء من ظن أن المال أو الغرب أو السلاح قادر على حماية الوطن . المغاربة وحدهم درع وطنهم . و شخصيا أنتصر للملك الشاب حيث نظافة الايدي . و أحب هذا الشعب المغلوب على أمره . و حبي لملكي و لهذا الشعب الذي أعطى دماءه بسخاء من أجل التحرير وراء غضبي في كثير من الاحيان . فملاذنا واحد . و رجاء التفتوا الى هذا الشعب الأبي و الوفي . و انتصروا للمظلومين فلا عزاء لهم بعد الله الا في صاحب الجلالة . و اعذروني قرائي إن اساءت البكاء . و كل يريد الوطن على مقاسه . و الجبناء يريدونه ضعيفا . لكني أريده واقفا متسعا للجميع . و تصبحون على وطن .