لماذا كل هذا اللغط حول فيلم سينمائي؟ لم لا يكون مثل هذا الكلام المثار حينما تفتح جريدة أو مجلة اجتماعية صفحاتها لنفس الموضوع وتقوم فيه بالتحقيق والتوثيق وسرد الحكايات وذكر المعطيات؟

لم لا يتحرك الناس وهم يرون مثل ما يظهر في فيلم سينمائي على شاشتهم في فيديو أغنية مصورة او حتى من سهرة عائلية راقصة، أو حتى في مسلسل تتوزع فيه " الرذيلة" في كل حلقاته؟

قد يقول أحد ما جوابا على ذلك، هو مشكل المقروئية وانحصار توزيع الجرائد والمجلات، وهو " خارج الحدود" بالنسبة للمسلسلات والأغاني المصورة، أو هو تأثير المرئي/ البصري على المكتوب والمسموع.

الأمر بالنسبة لي غير ذلك، فالسينما، على الرغم من انتمائها للفنون، لها خاصية فريدة، قد لا تشبه فيها باقي الفنون، الفيلم السينمائي يعتبر وثيقة تاريخية، مثله مثل أصناف الوثائق التاريخية المعروفة، فهز يحمل الجانب الفني للعمل ويتعداه ليحمل صفة الوثيقة، ومن هنا يمكن فهم كثرة الحديث حول الفيلم، لا أتحدث عن فيلم معين، بل عن أي فيلم سينمائي.

الفيلم السينمائي يبقى أطول، وربما لأجيال عديدة، في حين سرعان ما تختفي الجريدة والمجلة وحتى المسلسل التلفزيوني. والفيلم السينمائي يمتاز عن أي وثيقة تاريخية كونه ينبض بالحياة، يصور ظواهرها، ويعطي وجهة نظره منها، ومن ثم ليست هناك سينما واقعية، بل هناك عمل فني يجعل من الواقع ملهما له بأحداثه ومؤثرا فيه بأفكاره.

لسنا الشعب الوحيد الذي يتعاطى مع الفيلم السينمائي بالتركيز عليه او بتجاهله تماما، الأمر غير متعلق بنا كشعب، غير خاص بنا، شعوب أخرى تقوم بنفس الشيء، هناك فقط اختلاف في شكل التعاطي وحدته، وطريقة التعبير عن التلقي، ولازالت مواضيع الجنس والسياسة والدين تلقى ، وعند أكثر المجتمعات تطورا وتقدما وحداثة، كثيرا من النقد والنقاش. ولا أحتاج هنا الى التذكير بعناوين أفلام أو أسماء مخرجين أثاروا جدالا واسعا ليس فقط داخل مجتمعاتهم، بل خارجها أيضا، بسبب اختياراتهم للمواضيع المعالجة سينمائيا. الفرق بين المجتمعات في وسع حيز مجال المواضيع المعالجة، مثلا في المجتمعات الشرقية لازالت مشاهد العري والجنس غير لائقة، وفي المجتمعات الأخرى لازالت العلاقات الجنسية بين المحارم والحياة الجنسية للأنبياء غير مقبول معالجتها سينمائيا.

هناك من الأفلام السينمائية من هو منفلت عن الزمن، لا يموت، بل هناك أفلام تزداد قيمتها المالية والفنية مع مرور الزمن، ليس فقط لان فيها إبداع وتحمل رؤيا، بل لانها تمثل علامة على فترة او مرحلة تاريخية ما، توثق ليس فقط للجانب المادي للحياة، بل أيضا لشكل العلاقات بين الناس في انتمائهم الطبقي والفئوي، ونوع الكلام المتداول وطبيعة الحريات المسموح بها، بمعنى انها تمثل العصر وانعكاسه على الحياة في كل تجلياتها، لذا فمن يرفض فيلما سينمائيا لمجرد أنه ينقل واقعا، وهو يعترف بوجود هذا الواقع ويراه بشكل متكرر، يريد ان ينسى الأمر الآن ومستقبلا، او يتناساها.
في جانب آخر للموضوع، هناك البعض من الناس من يبحث بشكل حثيث عن اصطفاف حول الموضوع، اصطفاف حول " نعم" او "لا"، حول "مع" او "ضد"، وهذه المع وخاصة هذه الضد لا يراد لها أن تكون فقط في الحالة التي أمامنا، بل يراد لها أن تكون لصالح وجهة نظر خاصة للفن، بل يتعدى الأمر إلى أن تتحول الى مع او ضد مشروع مجتمعي كامل، هي مع او ضد تبتدئ من فيلم سينمائي لتنتهي الى رأي سياسي، البعض يحاول أن بخندقنا في لونين اثنين، ويتناسى أن بين الأبيض والأسود طيف كبير من الألوان، ليس هناك فقط أنت مع أو أنت ضد، هناك إمكانيات أخرى بين المع العمياء والضد الرعناء. هو نفس منطق الدولة، ألم يقل رئيس الدولة في احدى خطبه إما مع الديمقراطية أو ضدها، وهو يريد أن يقول إما أن تكون معي ف فهمي للديمقراطية او أنت ضدي، وهذا منطق غير مقبول لا في السياسة ولا في الفن ولا في أي شيء، لا يمكن أن تحدد لوحدك فهم الأشياء وتحدد مدلولها وتعرض علي قبولها ورفضها.
شخصيا لا تروق لي الأعمال الفنية، كيفما كانت، تلك التي لا تحترم ذكاء المتلقي، وتقدم له كل شيء، ولا تجعله يفكر ويتساءل في الشكل والمضمون، ومع ذلك فحرية التعبير يجب ان تكون مضمونة، حتى ولو اختلفنا حول الشكل والمضمون، الابداع كيفما ما كان لا يجب ان يقيد، يجب أن يترك له المجال واسعا للعمل بطلاقة، في المقابل الذي فعله هو تأهيل الناس تربويا وفكريا وثقافيا ليحددوا اختيارهم حول ما يريدون وما يردون، حول ما يرغبون به وما لايرغبون، الذي يظهر غيرة على القيم المجتمعية والإنسانية عليه أن يعرف أن فيلما واحدا لن يدمرها، القيم لا تضيع بين عشية وضحاها، ولا تقوم بين ليل وصبح، هي عملية تحول بطيئة تتداخل فيها كل أجهزة الدولة، وسياسات الدولة هي من أوصلتنا لهذا الوضع.