بديل ـ المهدي مستقيم/ أستاذ باحث

تحتل التقاليد مكانة مهمة في الدراسات التي تهم المنظومة السياسية المغربية المعاصرة، حيت تظهر كمعيار من الضروري الاعتماد عليه بالنسبة للشخص الذي يبحث عن الوصول لفهم المحرك التاريخي للفشل السياسي، و تفسير سلوك المنظومة السياسية. من بين هؤلاء نجد " جون واتيربوري" الذي عمل على تفسير سلوك النخبة السياسية المغربية في علاقتها بإرث مزدوج " القبيلة و المخزن".فحسب "واتيربوري" فإن ممثلي النخبة السياسية المغربية يتصرفون وفق طريقة تتوافق مع المعايير و القيم التقليدية البدوية وخارجة عن وإرادة و وعي الفاعلين السياسيين.

« les attitudes et les comportements politiques du marocains sont examiné en les liant au Traditions hérité du makhzen et de la vie tribale »
كما أكد أن التجارب التي طبقها مجموعة من الباحتين لدراسة القبيلة في الشرق الأوسط يمكن أن تساعدنا على فهم ردود الأفعال الاجتماعية والسياسية التي تخص المنظومة السياسية المغربية،حيث ظهر تشابه واضح بين الجمود الداخلي الذي يخص القبيلة في الشرق الأوسط وبين الجمود الذي يميز الحياة السياسية المغربية.

فالرجوع إلى النظام التقليدي حسب "واتيربوري" هو شيء ضروري ولا يمكن تفاديه الشيء الذي دفعه إلى تخصيص فصل من كتابه "أمير المؤمنين" للسياق الاجتماعي والذي يعرض فيه الخصائص المشتركة بين النظام الانقسامي القبلي والنخبة السياسية المغربية.

هذا المعطى الذي أكد عليه واتيربوري يعترض أي باحث يسعى إلى دراسة النخبة السياسية المغربية،إذ يجد نفسه مرغما على تخصيص جزء هام من دراسته لفهم البنيات القبلية،وبالتالي الانتقال من دراسة النخب السياسية إلى دراسة البدوقراطية،ونعني بالبدوقراطية حكم البداوة، أي الحكم بعقلية بدوية،زراعية،رعوية متخلفة، تراثية بدائية. فالبدوقراطية في نظرنا تشكل جدار إيديولوجي سميك،سور بدوي يفرض قبضته على كل محاولة تحديث سياسي. و هذا الإستبداد الذي تمارسه البدوقراطية ما هو في حقيقة الأمر إلا حلقة مكملة لحلقات استبدادية أخرى يمكن حصرها في التجريم الذي يمارس كما هو معروف من قبل الأجهزة الأمنية القمعية التي تطفئ كل مؤشر على التمرد و الخروج عن الطاعة. بالإضافة إلى التحريم الديني الذي يقمع كل مؤشر يسعى إلى الخروج عن اللامفكر فيه و الذي يحكم سلطته و سلطانه على الأفئدة و النفوس. هذا التحالف الثلاثي ( التجريم، التأثيم، التحريم الديني) يعمل على تدجين الإنسان و تضبيعه فكريا وسلوكيا، وتذويب الاستبداد في كينونته و إعادة إنتاجه بتواطئ معه في الممارسات الاجتماعية و العلائقية، و من ثمة سهولة السيطرة عليه، والأنكى من ذلك أن هذا التذويب لا يقتصر على إنتاج ثقافة الطاعة و الخضوع فقط بل يصل به الحد إلى توظيف الأبواق من أجل الإشادة بمنجزات الإستبداد . لكن ارتأينا أن نخصص هذا المقال للحديث عن حلقة واحدة وهي البدوقراطية باعتبارها محرك من بين محركات الفشل السياسي الذي تعرفه النخبة السياسية المغربية.

للأحزاب المغربية بنية شبيهة ببنية القبيلة ذات الثقافة العرفية ( دستور القبيلة)، وتوظف هذه البنية من قبل القبيلة كما توظف من قبل الأحزاب بغية إرساء أمرين أساسيين: تعيين الهوية المحلية التي تميز تشكيلا قبليا عن اخر ،وإنتاج نمط من التحكيم ( الحكم أو الحكومة) يرأسه شيخ القبيلة و يدبره مدى حياته، و غالبا ما يورثه لأحد من أبنائه( الابن البكر). هذا الإيلاف القبلي للنخبة السياسية لا ينتج ثقافة سياسية بالمعنى الحديث بقدرما ينتج حكما حصريا أو حاصرا ينفي التعدد و المشاركة في سلطة القرار طالما أن هذه السلطة تقوم على مؤسسة العائلة المشيدة على ثقافة الحاكم الواحد وبالتالي ثقافة اللاثقافة و حزب اللاهوية. وفي حال سعى المتعدد إلى إنتاج ثقافة وهوية خارج مرجعية الواحد القبلي يقايل بالاضطهاد و الرفض و التهميش.على غرار الأجنبي الغريب عن القبيلة التي يحكمها و يملكها الواحد.

عموما يمكننا تلخيص القواسم المشتركة بين النخب السياسية المغربية و النظام القبلي البدوي في ما يلي:
*آلية الانشطار و الاندماج كمبدأين ضروريين للحفاظ على التوازن السياسي.

* مفهوم الهوية المرتبطة بالوضعية، فالفرد لا يتحدد إلا بالنسبة لوضعية معينة، أو فئة معينة. وبما أن الوضعيات تتغير باستمرار ،فان الهوية تتغير بدورها . حيت "تنشأ داخل الأنساق الانقسامية(في أغلب الأحيان ) تكتلات وتحالفات تابعة لترتيب الجماعات السلالية المنحدرة من الجد الواحد .ويمكن للفرد الواحد أن يوجد داخل شبكة من التحالفات المتشابكة والمتعارضة في ما بينها ,حيت تمارس عليه تأثيرات متناقضة إلى درجة أنها قد تؤدي به إلى الشلل التام. لنأخذ مثلا ، فردا ينتمي إلى قبيلة مغربية نجد أنه ينتمي إلى فئة ذات نسب ،لها منافسة مع أنساب أخرى .لكنه ينتمي في الوقت نفسه وعشيرته إلى لف يسعى إلى استقطاب الصراعات على مستوى المنطقة،ولا يمنع هذا من أن تكون العشائر المتحالفة داخل اللف متصارعة في مستوى السلالات .أضف إلى ذلك أن الفرد نفسه يمكن أن يشارك في أحلاف محلية ضيقة تهتم بالإشراف على حقوق الري وتوزيع الماء الخ...وتتداخل مع العلاقات السلالية و الانتماء إلى اللف " "Waterbury parle d’identité situationnelle définie comme multiple et changeante en ce sens qu’un individu peut appartenir simultanément à plusieurs groupes"

* ينحدر مفهوم الصداقة من المفهوم السابق .حيث يمكن للشخص أن يكون عدوا أو صديق حسب الظروف. وبما أن هذه الأخيرة دائمة التحول،فان مشاعر الصداقة والعداوة تميل إلى السطحية والصفة التعاقدية . ف"في الوقت الذي تحافظ فيه الأنساق الانقسامية على الوضع القائم, تتميز الوحدات المكونة لها، بحركة دائمة من الابتعاد والانجذاب،كأنها جزيئات تلتحم بجاذبية احتكاكها.و تصبح التحالفات عديمة الاستقرار على العموم،ويسودها نوع من النسبية الأخلاقية،لأن حلفاء اليوم قد يصبحون أعداء الغد،لأن الأعداء الألداء هم قلائل كما بالنسبة لمن هم أصدقاء مدى الحياة" ( تحالف حزب العدالة و التنمية مع حزب التجمع الوطني للأحرار بعدما كانا أعداء بالأمس القريب)
"les alliances sont instable. on ne peut compter sur les alliés d’aujourd’hui qui peuvent devenir les ennemis de demain"
* بسبب عدم استقرار الأوضاع، وحركية الفاعلين، فان رجل السياسة مطالب بالاستعداد لكل الاحتمالات، ومعناه أن يتكهن بمن سيكون صديقا أو عدوا في كل الحالات الممكنة. فلا يجوز إذن أن تمنح الثقة لفرد واحد،أو فصيل واحد أو قضية واحدة ،لأن ذلك قد يتسبب في كارثة حقيقية .بل الأضمن أن يعدد رجل السياسة تحالفاته. حيت "يسعى كل واحد إلى مضاعفة تحالفاته ،بدءا ربما بقرابته لتأمين دفاعه ,و تأمين أكثر مايمكن من إمكانيات التدخل( أو عدم التدخل على السواء).وليس من الضروري أن يكون هنالك هدف مباشر من وراء هذه التحالفات ،بل هي بمثابة استثمارات على المدى البعيد،تستوجب اللعب على كل الواجهات لمواجهة كل الاحتمالات.يملي هذا النهج الحذر والتحفظ الذي يستلهم في الواقع كل أنواع النشاط الاجتماعي و السياسي،شعور حاد بنسبية كل انتصار،ونسبية كل صداقة أو عداوة معا"

* تؤدي المبادرة وطريقة المخاطرة والجرأة إلى العزلة بمجرد أن يطرأ تحول على الأوضاع القائمة .لذلك فمن الأفضل أن لا يغامر الفرد أو يتحالف مع دوي الجرأة.وتغدو المناورات الدفاعية،والتكتيكات الأساليب الوحيدة التي بالإمكان أن توصف بالتعقل .
"l’utilisation défensive du pouvoir et de l’autorité qu’elle soit instinctive ou délibérée est la caractéristique essentielle du comportement politique des marocains "

* "تتعدد الوسائل للعثور على الحلفاء وتأمين وفائهم،غير أن الديون المالية أو المعنوية تظل في نهاية الأمر من أنجع السبل لتوطيد شبكات الأحلاف ذلك أن المدين، يكون مرغما على التحالف مع دائنه ولا يمكنه أن يصبح عدوا له بسهولة. تعتبر علاقات الالتزام معقدة ومتعددة الأشكال في المغرب وكل مغربي يلتزم بمساعدة أعضاء عائلته وأقربائه والاعتراف بالجميل لكل من أحسن إليه ومن الصعب جدا على الأجنبي أن يدرك ألغاز كل القواعد الضمنية التي تحدد درجة التزام كل فرد وما يستحقه من جزاء عند تجاوزه قواعد اللعبة وغالبا مايبرر المغربي سلوكه بقوله :لم أستطع القيام بكذا لأن فلان عم زوجتي أو لأنه توسط لي للحصول على منحة لابني ".
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو إلى متى سنبقى نعود إلى التراث من أجل فهم وتفسير سيرورات راهنة ومعاصرة؟

بابتعاد النخبة السياسية عن مؤسسة العقل و مؤسسة العلم ستظل مرتبطة بمؤسسة البداوة و مؤسسة إفتاء الأحاديث وما ينجر عنها من استغلاق سياسي يستبدل المتعدد بالواحد الأوحد، بينما إذا ما اقترنت بمؤسسة العقل و مؤسسة العلم المنتج المبتكر فسوف تجد نفسها أمام فرصة حقيقية لتنوير ذاتها بوعيها، ولإنتاج علمانيتها و حداثتها. معيار الحداثة السياسية إذن هو الانتقال من حزب القبيلة إلى حزب العلمانية التعددية، ونقصد بالعلمانية هنا إحداث قطيعة كاملة مع تلك الأشكال البدوية التقليدية للتربية و المتوارث عن الماضي، ولا نقصد بها تلك العقيدة الوهمية التي دفعت الشيوعية ثمنا غاليا لاعتناقها في فثرة تاريخية معينة والمتمثلة في " مجتمع كلي الإلحاد"، نقصد بحزب العلمانية التعددية أيضا ذلك الكيان المتشرب لقيم أثينا اليونان حيث قامت أول ديمقراطية معروفة في الغرب ومنعت تجديد ولاية الحاكم الأكثر شعبية لدى الجماهير رغم تفانيه في خدمتها حتى لا يصاب بمرض جوع التسلط، وذلك بفتح المجال لعقلانية عملية تنسف الديكورات والكليشيهات السياسية السطحية وتطور البنية الحزبية ذات البناء القبلي والشكل الحضاري، وذلك إنطلاقا من مدارس و جامعات تفصل الموهوم عن المعلوم والبداوات الحزبية عن الحضارات الحزبية بلا تدخلات فقهية متحجرة ولا مناورات تضليلية.

الإحالات المرجعية:

* جون واتربوري, أمير المؤمنين,الملكية والنخبة السياسية المغربية,ترجمة عبد الغني أبو العزم,عبد الأحد السبتي,عبد اللطيف الفلق- مؤسسة الغني للنشر، الرباط. الطبعة الأولى 2004

*Hassan rachik, Le fantôme de la tribu : politique et tradition. Prologues. revue maghrébine du livre trimestrielle 29/30-printemps 2004 pages 59/63

*مصطفى صفوان، لماذا العرب ليسوا أحرارا؟،ترجمة مصطفى حجازي،دار الساقي،الطبعة الأولى 2012 .
* خليل أحمد خليل، لماذا يخاف العرب من الحداثة؟،دار الطليعة بيروت،الطبعة الأولى 2011 .