بديل ـ محمد طارق السباعي

بالعدل ينمو المجتمع ويتطور، وبالظلم يتآكل المجتمع كما تأكل الأرضة قطعة الخبز، لذلك فالنظام القضائي هو الدعامة الأساسية لنهضة أي بلد، فالقضاء العادل هو الذي يشعر الناس فيه بالسواسية ، فيأمنون على مالهم وعرضهم ومستقبلهم، وعندما يغيب العدل يتحرك المجتمع نحو الثورة ضد قانون الغابة التي يأكل فيها القوي الضعيف فالقضاء في كثير من الدول يسري على الفقير والمظلوم والمقهور، ولا يسرى على السادة أصحاب النفوذ السياسي والمالي، انه يمشى على "سلم "، فعندما يذنب المواطن العادي فإن القضاء يقتص منه، وإذا أذنب أحد من أفراد الحكم أو أصحاب النفوذ، فإن الوضع يتغير، ولهذا فالعدالة قد تلعب دورا في تقنين الظلم فاذا كانت الأحكام والقرارات القضائية والادارية تتطلب تعليلا عادلا أي مقنعا فانها تتطلب ايضا شكلا يتطلب التطبيق و الاحترام تحت طائلة البطلان .

إن ما كشف عنه القاضي المقتدر محمد الهيني، عن حقائق جديدة مثيرة في قضيته ،لما تسلم قرار ادانته يومه الاربعاء 3شتنبر 2014 لا يتضمن تعليلا لأسباب الإدانة، معتبرا ذلك "إخلالا بمبدأ تعليل القرارات الإدارية وبالأمن القانوني. للقاضي"،مؤكدا أنه غير مشمول بظهير ملكي، وإنما موقع باسم وزير العدل لا بنائب الملك في المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو أمر خطير . فاذا كان كل موظف عمومي بمن فيهم القضاة يجب ان تكون القرارات الصادرة في حقهم معللة تعليلا صحيحا فانه لا يعقل عزل او توقيف الا اذا كان قرار معللا والا كان مصيره الالغاء والقاضي كما يعلم الجميع يعين بظهير ويرقى بظهير ولذلك نرى عند تنصيب المسؤولين القضائيين "تقبيل " ظهير التعيين أمام شاشات التلفزيون كما يعزل القاضي بظهير انه من حق الاستاذ محمد الهيني اذن الطعن في القرار الموقع من طرف وزير العدل والحريات للشطط في استعمال السلطة ، وسأغرف من ثقب في الذاكرة ثلات حالات كنت شاهد عيان فيها.

في الثمانينات أصدر قاض حكما بالاداء والافراغ لفائدة أحد المسؤولين القضائيين وسلمه المسودة وقام هذا الأخير بطبع الحكم خارج المحكمة كما هو بالمسودة دون ان يدبج باسم جلالة الملك، وتم تبليغه لموكلي فاستأنفته فورا وتم إلغاء الحكم لعدم احترامه لشكلية أساسية فالأحكام تصدر في المغرب باسم الملك لا باسم القاضي والقرار التأديبي يصدر باسم الملك لا باسم الوزير كما أذكر جيدا أن متقاضيا كنت أنوب ضده في قضية شرعية دخل عند نفس القاضي المذكور أعلاه وخرج من مكتبه وهو يحمل أوراقا فلما نودي على القضية طلب القاضي من خصم موكلتي الجواب عن مقال الدعوى فسلم لي نسخة من المذكرة التي كتبها القاضي فتصفحتها في حينه ولاحظت ان المقال المضاد غير مؤدى عنه فاسندت النظر وأصدر القاضي حكمه الجائر ضد موكلتي فاستانفته أيضا وكان مصير هذا الحكم الالغاء لعدم أداء الرسوم القضائية وتم انصاف طليقة زوجها الراشي ولابد ان أذكر قضية السيدة نادية ياسين التي صرحت بعد عودتها من أمريكا بتحبيدها للنظام الجمهوري والتي تمت متابعتها هي والصحفي الذي اجرى معها الاستجواب؛ حيث حضرت ندوة صحفية قال فيها الصحفي الصديق خالد الجامعي بجرأته المعهودة ان وكيل الملك الذي قام بتسطير المتابعة معين بظهير ملكي والقاضي الذي سيصدر الحكم في حق السيدة نادية ياسين كريمة الشيخ ياسين معين بظهير ، والحكم سيصدر باسم الملك محمد السادس مصرحا بالقول ان شروط المحاكمة العادلة غير متوفرة فالملك يعتبر في قضية نادية ياسين طرف أساسي ولهذا السبب لم يصدر أي حكم في القضية رغم مرور عدة سنوات، ولا زالت القضية رائجة ،لأنه حسب دستور 2011 لا يمكن ان يصدر حكم في ظله وهو الذي جاء ليوسع من نطاق الحقوق والحريات.

ففي المغرب طالب عبد الله زعزاع بالنظام الجمهوري كما طالب عبد الرحيم برادة ونادية ياسين بالنظام الجمهوري ولم يصدر في حقهم أي حكم، وبالأحرى أن يدان قاض على مجرد خاطرة تروم التخليق القضائي والجرأة في الإعلان عن الثروة للعموم، حتى يثق الناس في المسؤولين القضائيين الذين يكشفون ولا يتسترون عن ثرواتهم المكتسبة، فمن حق القضاة أن يتساءلوا عن العلاقة بين محكمة إدارية وخاطرة، وعما إذا كان مواطن هو من تقدم بدعوى ضده على خلفية حكم أصدره الهيني، حتى يجوز نقله من المحكمة الإدارية إلى قضاء النيابة العامة.

فصمود الاستاذ الهيني وثباته على المبدأ سيعيده لامحالة للقضاء الاداري وستزول الغمة اذا ما تمعنا في قول الدكتور جلال عامر "غياب الأمن يصنع الفوضى وغياب العدل يصنع الثورة ،" فالأسلحة قد تحمي المجتمع من الخارج، ولكن العدل هو الذي يحميه من الداخل، فإذا غاب العدل يتصارع أبناء المجتمع الواحد، وبدلا من وجود قانون واحد عادل، تبرز العديد من القوانين، كل يحمي نفسه بأسلوبه الخاص، وهذا هو التهديد الحقيقي للوطن؟ فاللهم نجينا من "العدالة المزيفة".