بديل ـ الرباط

في هذا المقال، الذي توصل به الموقع من قيادي "العدل والإحسان" عمر أحرشان، يرى الأخير أن السنة الحالية ستشكل  اختبارا حقيقيا للنظام السياسي بأكمله، ملكا وحكومة وبرلمانا.

ويرى أحرشان ضرورة مساهمة الجميع في الدفع بمسلسل الدمقرطة والتنمية لتجاوز  المخاض العسير الذي طال أمده وعلت كلفته وتم الالتفاف عليه أكثر من مرة، من خلال حوار وطني حقيقي مفتوح ينتج عنه تغيير حقيقي في ميزان القوى لفائدة التيار الرئيسي في المجتمع المناهض للفساد والاستبداد؛ وتلزم مباشرة الإصلاحات الحقيقية من بوابتها الدستورية والسياسية والمؤسساتية الحقيقية التي تعيد النظر في طريقة توزيع السلطة وعلاقتها بالمحاسبة.

وهذا نص المقال كاملا: 

 

الدخول السياسي.. فرص ورهانات

 

جرى العرف، في البلدان الديمقراطية، على فتح نقاش عمومي بعد انتهاء العطلة الصيفية لرصد أهم قضايا الدخول السياسي وأولويات الفاعلين واهتمامات المواطنين وحساسية القضايا. وتماشيا مع هذا العرف، نحاول رصد أهم القضايا المثارة لمعرفة أهم رهانات دخولنا السياسي وإكراهاته وفرصه وتحدياته بعيدا عن الخوض المنهجي في الإجابة عن أسئلة مهمة حول جدوى الحديث عن حياة سياسية طبيعية ونقاش عمومي حقيقي ودور الفاعلين في تحديد الأجندة السياسية داخل المشهد المغربي الذي لم يصل بعد إلى إنجاح انتقاله نحو الديمقراطية.

ستشكل هذه السنة اختبارا حقيقيا للنظام السياسي بأكمله، ملكا وحكومة وبرلمانا، وللعرض السياسي الذي تقدم به بعد الحراك الشعبي الذي قادته حركة 20 فبراير سنة 2011 والذي تمثل في مراجعة دستورية وانتخابات تشريعية سابقة لأوانها وانتخابات محلية، بلدية وجهوية ومهنية، لم تجر إلى حد كتابة هذه السطور وزيادة في الأجور وتوظيف فئات من المعطلين.

لم تكد تمضي سنة واحدة عن إقراره حتى اكتشف الرأي العام ثغرات الدستور المراجع، وبدأ الحديث عن "تأويل ديمقراطي" و"تنزيل ديمقراطي" لمقتضياته لتجاوز عيب النص وخلل منهجية المراجعة والهامش الضيق لاشتغال لجنة المراجعة ومحدودية مطالب الأحزاب التي انخرطت في هذا المسلسل، بل هناك من طالب بمراجعة مبكرة له، وانتقد البعض الآخر النسخة المصادق عليها لأنها مختلفة عن النسخة التي صادقت عليها اللجنة.

اختار المشرع نمط الدساتير القديمة التي تنص على مبادئ، وخاصة في باب الحقوق والحريات، وتترك التفصيل فيها للقانون، وقد مرت ثلاث سنوات ولم تكتمل المنظومة التشريعية بإصدار القوانين التنظيمية وبعض القوانين العادية الأساسية، ولم تنشر الأعمال التحضيرية المساعدة على فهم قصد المشرع وروح التشريع.

ويمكن القول إن هذا كان مقصودا للتحكم في مخرجات عملية المراجعة بعد امتصاص الغضب الشعبي وهدوء العاصفة وتغير ميزان القوى قصد التحكم في وجهة هذه القوانين ودرجة انفتاحها وتمثلها للمبادئ العامة المنصوص عليها دستوريا.

سيكون البرلمان مجبرا، خلال هذه السنة، على إصدار القوانين التنظيمية الخاصة بالانتخابات؛ وسيشكل هذا اختبارا حقيقيا لاستقلاليته وقوته كمؤسسة تمثيلية وتشريعية، ولوعيه بأعطاب العملية الانتخابية، ولقدرته على تقديم إطار تشريعي وتنظيمي شفاف يحمي إرادةَ الناخب من العبث والنتائجَ من التزوير والخريطةَ من البلقنة والدعايةَ من المال الحرام.

ستوضع الحكومة، بعد ثلاث سنوات من تشكلها، أمام امتحان عسير يتمثل في قدرتها على تنظيم انتخابات مغايرة لتلك الانتخابات المعهودة في المغرب والتي خبرتها الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي وكانت من ضحاياها.. وسيختبر الرأي العام قدرتها على تخليص تدبير الشأن العام من المقاربة المركزية والوصاية المتشددة في اتجاه مزيد من الجهوية واللامركزية وتوسيع صلاحيات الهيئات المنتخبة والأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منطقة على حدة.

هل بمقدور الحكومة والبرلمان صياغة قوانين في المستوى؟ هل ستراجع اللوائح الانتخابية مراجعة جذرية أم ستكتفي الحكومة بتحيينها؟ هل سيخضع تقسيم الدوائر لمعايير موضوعية بعيدا عن التحكم الناعم والاعتبارات الأمنية؟ هل ستراجع نمط الاقتراع الهجين الذي يستعصي تصنيفه على فقهاء القانون الدستوري لأنه نمط فردي مقنع بقناع الاقتراع اللائحي؟

هل ستتخذ التدابير الوقائية والعلاجية لضمان حياد الإدارة ووزارة الداخلية؟ هل ستضع الإجراءات الرادعة ضد مفسدي العملية الانتخابية؟ هل ستلجأ إلى التنصيص على إجبارية التصويت لمحاربة العزوف؟

وهل سترتب جزاء على المقاطعين؟ وهل باستطاعتها تفعيل ذلك ومعاقبة ثلثي الشعب؟ وهل هذا الاختيار منسجم مع الخيار الديمقراطي ولا يصادر حرية الرأي؟
ستشكل هذه الانتخابات محكا حقيقيا ومؤشرا دالا على القطيعة أو الاستمرارية من خلال شفافية الإطار القانوني والتنظيمي ونسبة المشاركة وحرية الرأي والخريطة التي ستفرزها؛ وسيشكل هذا العمل اختبارا حقيقيا لقوة الحكومة ولإرادة السلطة ولميزان القوى في المجتمع.

وبغض النظر عن أسباب تأجيل الانتخابات المحلية والجهوية والمهنية التي كان مقررا لها، منطقيا على الأقل، أن تجرى سنة 2012، على أقصى تقدير، ستكون السلطة السياسية أمام اختبار حقيقي يتجسد في مدى قدرة هذه الانتخابات على جذب الناخب إلى صندوق الاقتراع في ظل مناخ سياسي غير مشجع وخطاب سياسي منحط وممارسة سياسية غير ناضجة.
التحدي الثاني اجتماعي، ويتمثل في القدرة على تقريب وجهات النظر المتباعدة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين حول إصلاح صندوق المقاصة وملف التقاعد.

اختارت الحكومة الطريق الأسهل لإصلاح ملف التقاعد بالزيادة في الاقتطاع من رواتب المنخرطين وزيادة سن التقاعد ولم تفتح التحقيق، تفعيلا لمبدأ ربط السلطة بالمحاسبة ولمبدأ عدم الإفلات من العقاب، في الأسباب الحقيقية لإفلاس هذه الصناديق والمتسبب فيها.. والأمر نفسه بالنسبة إلى صندوق المقاصة، حيث انصبت كل مبادراتها على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة اللتين تحملتا عبء هذا "الإصلاح" دون المساس بامتيازات المستفيدين الكبار من الدعم المخصص أساسا للفئات المعوزة.

هل ستنجح الحكومة في هذا الإصلاح؟ هل سترضخ النقابات لمقاربة الحكومة؟ ما تأثير حالة الشد والجذب على السلم الاجتماعي ومناخ الاستثمار؟ هذه بعض الأسئلة التي من المنتظر أن يجيب عنها هذا الموسم السياسي.

التحدي الثالث أمني، ويتمثل في حالة الغموض التي سادت طيلة هذه المدة حول أسباب نشر الجيش لأسلحته، وحالة الصمت غير المبرر من قبل القصر والحكومة والمؤسسة العسكرية وما رافق ذلك من تأويلات لهذه الخطوة، لم تساهم إلا في نشر الشائعات والتشكك والخوف من المجهول.

ويبقى الخطاب الملكي الأخير حاضرا بثقله في أجندة هذا الدخول السياسي بما أثاره من أسئلة نقدية حول الثروة وإنتاجها وتوزيعها مقابل لغة الارتياح التي ميزت رئيس الحكومة أثناء عرضه حصيلة الحكومة أمام البرلمان، وهو ما يطرح سؤالا حقيقيا حول درجة الانسجام المؤسساتي داخل الدولة.

سينتظر الجميع نتائج الدراسة التي سينجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تحت الطلب، وستكون مناسبة لمعرفة درجة استقلالية هذه المؤسسة وجرأتها وعمق معالجتها وتحررها من القيود الذاتية والموضوعية التي يمكن أن تكبل نتائج عملها. هل ستكون هذه الدراسة مناسبة لفتح نقاش عمومي بدون خطوط حمراء أو إقصاء حول علاقة السلطة بالثروة وتأثير ذلك على إنتاج الثروة وتوزيعها؟

هل ستكون هذه مناسبة لاسترجاع شعارات الحراك الشعبي لسنة 2011 التي وقع التفاف عليها؟ هل سنتجاوز منهجية الاشتغال تحت الطلب الموجه للنتائج والذي نعيش تداعياته بعد دستور 2011 بعد اعتماد منطق التعيين وتحديد الإطار ورسم الخطوط الحمراء؟ وحدها نتائج الدراسة وآليات تفعيلها كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة.

هذه بعض تحديات الدخول السياسي وفرصه ورهاناته وانتظاراته، تضعنا جميعا أمام اختبار حقيقي وتستلزم من الجميع المساهمة، كل من موقعه، في الدفع بمسلسل الدمقرطة والتنمية لتجاوز هذا المخاض العسير الذي طال أمده وعلت كلفته وتم الالتفاف عليه أكثر من مرة.

تلزم مساهمة الجميع لتحقيق ذلك من خلال حوار وطني حقيقي مفتوح ينتج عنه تغيير حقيقي في ميزان القوى لفائدة التيار الرئيسي في المجتمع المناهض للفساد والاستبداد؛ وتلزم مباشرة الإصلاحات الحقيقية من بوابتها الدستورية والسياسية والمؤسساتية الحقيقية التي تعيد النظر في طريقة توزيع السلطة وعلاقتها بالمحاسبة، بعيدا عن الثنائية الواقعية التي تجعل شقا ممن يتحمل التشريع والتنفيذ لا يخضع للمحاسبة. وبدون ذلك، نضيع الوقت والجهد والفرص.