المريزق المصطفى، ناشط حقوقي

في عز الاستعداد للدخول السياسي و الاجتماعي لموسم 2014-2015، تبين العديد من المؤشرات السوسيو- إقتصادية أن الحكومة المغربية لم تعر أي اهتمام للعديد من المطالب الاجتماعية الملحة التي ظلت معلقة رغم الاحتجاجات المستمرة التي تعرفها العديد من القطاعات الحيوية ببلادنا كالتعليم و الصحة و الشغل. كما لم تستطع هذه الحكومة القيام بتقييم علمي و موضوعي لنتائج المبادرات السياسية و لبرامج الإصلاح التي لم تحقق أهدافها، و لم تطلع الرأي المغاربة على النتائج السلبية التي راكمتها و كأنها حكومة إلهية مقدسة معصومة من الخطأ!

و لعل ما يلفت النظر أكثر، هو عجزها التام عن اتخاذ تدابير رشيدة للتأثير و التصدي للأزمات الصعبة التي تنتظر بلادنا على المدى القريب و المتوسط، و على رأسها أزمة الثقة في المؤسسات و ما قد نتأثر به من صراعات قطرية و دولية.
و كنتيجة للسياسات التي تنتجها حكومة السيد بنكيران، بات البؤس و الحرمان و الاستبعاد الاجتماعي هو العملة السائدة في مغرب الفقراء، حتى أصبح من الممكن الحديث اليوم عن عدة أنواع من المغرب و المغاربة.

و رغم هذا الواقع المر التي باتت تشير إليه العديد من التقارير الوطنية و الدولية، يتمادى رئيس الحكومة في الترويج لشعارات دينية و أساطير شائعة و خرافات و معتقدات تقليدية لا تؤدي إلا وظيفة واحدة، هي جنون العظمة و مرض السلطة عبر الدعاية المجانية لاستقطاب الفقراء و البؤساء ماديا و معنويا لحظيرة النكوصية و التخلف.

و من أبرز الأمثلة التي تعري واقع مغرب اليوم، هو إسرار الحكومة على تغييب العلم لفهم المغرب و المغاربة و التمادي في مقاومة التفكير العقلاني و النقدي و إحلال محله تفسيرات قائمة على أسس دينية و شعبوية.

و مثلما كان الحال مع تعطيل المسلسل الديمقراطي و اعتقاله في العديد من المجالات الحقوقية و السياسية، تبرز اليوم دولة الزبونية كجزء من فلسفة الحزب الحاكم لتعطيل أي حلم بالدولة المدنية القائمة على قيم الحرية و المساواة و على نظام اجتماعي يستمد شرعيته من تعاقدات مواطنة تراعي التحولات الاجتماعية و الاقتصادية التي صاحبت تضحيات المغاربة منذ فجر الاستقلال.
إن الظلم الاجتماعي و الحيف الصحي الذي تعرض له مؤخرا نموذج من المواطنين المنتمون لمغرب آخرا غير المغرب الرسمي، و إسمه كريم حديدي، ابن تيسة/عمالة تاونات، الا دليلا قاطعا على تجذر دولة الزبونية في مغربنا، حينما رفضته العديد من المستشفيات و كأنه لا ينتمي لأي أمة من أمم ما قبل المسيح و ما بعده. و لولا ضغط رأي عام و إعلام مواطن لما تم استقباله بالمستشفى الجامعي بفاس، في الوقت الذي تعتبر حالته موضوعا ليس فقط للاستشفاء بل للبحث الطبي و الاجتهاد العلمي.
وقبل أن نفرح مع كريم و عائلته بحصوله على سرير في المستشفى الجامعي بفاس، يطلع علينا و من جديد خبر التلميذة يسرى من إقليم جرسيف، ضحية جديدة تصارع الموت في منزل أهلها في صمت. و هي شابة تبلغ 14 سنة، جسدها عبارة عن هيكل عظمي مرعب (من خلال الصور التي شاهدناها).. لا نجد الكلمات لوصفه!

إن حالة كريم و يسرى يؤكدان بدون مواربة و لا شك أننا نعيش في ظل دولة الزبونية، و حالة هؤلاء و آخرين عارعلينا. لقد كان من الممكن أن يتعرض كل واحد منا لما تعرض له كريم و يسرى من تهميش و حكرة و سوء معاملة و رفض معلن للتطبيب من طرف بعض المسؤولين عن قطاع الصحة، و كأن الصحة امتياز و ليست حق!
نعم، إن حالة كريم و يسرى يجب أن تسائل الجميع تسائل، و نتساءل عن دولة المساواة.

حالة كريم و يسرى تشتمنا،تمزقنا، تجرحنا و تقول لنا " نحن في مغربنا و أنتم في مغربكم"!

الاثنان تآكلت لحمهما حتى ظهرت العظام، الاثنان لم يجدوا إلى جانبهم سوى الفقراء المنتمون لدمهم و لحمهم، الاثنان نتاج غياب العدالة الصحية و المساواة و التضامن، لأننا نعيش اليوم في خانة التناقض، و تسيير السياسة الاجتماعية ببلادنا يخضع في وطننا العزيز للأسف للأمزجة القانونية و الثقافية و الصحية.

إننا و نحن نقول هذا الكلام لا نشك في أهمية ما تطرحه القضايا الوطنية المتعلقة بتنزيل الدستور و القوانين المنظمة للانتخابات و التقطيع الجهوي و هلم جرا.. لكن اليوم و الآن و قبل كل شيء، نحن أمام جرائم ترتكب في حق المواطنين من دون مساءلة و لا محاسبة. و إلا، عن أي عدالة نتحدث في ظل حومة بن كيران؟

إن ما نعيشه من فضائح إجتماعية من خلال حالة كريم و يسرى يظهر لنا بوضوح وجها آخرا من التطرف و الانحلال المؤسساتي، و يظهر لنا أن حقل دولة الزبونية ماضيا نحو القضاء على دولة الحقوق و القانون. و أن العدالة الصحية تفضح شعارات الصحوة التي تتهمنا بسقوطنا في غفوة طويلة نسينا معها نفسنا، و الحال أننا نفضح كل أنواع الربحية السياسوية التي تريد أن تكون فوق الشعب، و نريد إلى جانب مطالبتنا بدولة الحقوق و الواجبات مغربا ينقذ كريم و يسرى و من يشبه حالتهم من الموت اليوم و الآن.
فيا شرفاء و أوفياء الوطن إتحدوا..