عبدالله لعماري

في فاجعة انفطرت لها القلوب حزنا٬ رزئت الاتحاديةالعائلة بفقدان أحد أبنائها التاريخيين، وواحد من قيادييها المرموقين، أحمدالأستاذ الزايدي في واحدة من أغرب الحوادث المؤلمة، قضى فيها غرقا، ظهيرة التاسع نونبرمن2014؛ ضاعف من إيلامها، عجز المغرب في القرن 21، قرن العبقرية التكنولوجية والسرعة الخارقة للتواصل، عجز عن انقاذ رجل ظل يستغيث هاتفيا بمن ينجده، وهو يتخبط بسيارته، في انجراف مياه علت بتزايد منسوب تهاطل الأمطار، ثم عجز هذا المغرب بعد ذلك، ولما انتشله الناس من المياه، عجز أن يسعفه وهو يحتضر من الاختناق، في وقت استطاع فيه رجل بسيط واحد، أن ينقذ من الغرق، حيا من أحياء العاصمة، فيما سارت بذكره الركبان حول شهامة علال المنقذ، ولكننكبة الزيدي لا علال لها.

الزيدي، الذي أفنى شبابه وعمره، مناضلا سياسيا، حارسا للشأن العام، خادما للمصالح العليا للوطن منجدا ومنقذا ومسعفا، وساهرا على خفر سفينة الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد، من موقعه في قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي، نائبا عن الأمة في مجلس نوابها، عضوا ورئيسا للفريق الاتحادي، في الموالاة وفي يستصرخالمعارضة ملء صوته، من هاتفه، وإلى آخر رمق في حياته، مناديا على المصالح المعنية، يشعرها بالخطر الداهم، لكن هذه المصالح المعنية التي ينفق عليها الشعب من أقواته بالملايير، تدريبا وتجهيزا، استحال عليها أن تقدم المساعدة للرجل الذي نذر حياته في خدمة الشعب، وهو في مواجهة خطر الموت.

غير أن لله في خلقه شؤون، وفي أقداره ومشيئته، حكم وأحكام، فقد كان قدر الله بموافاته الأجل هو الأسرع، وكان قدر الله بهبة من يعنيه الأمر للإنجاد هو الأبطأ، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وبعد سكون الصدمة، وانجلاء الذهول، تذكر الناس وهم يشيعون الفقيد، أن البلاد، وبوفاة أحمد الزيدي، راحت تفتقد لأحد أساطين الحكمة والتؤدة والمروءة في الساحة السياسية المغربية، والتي سطع فيها نجمه، مثالا ورائدا من رواد العمل السياسي النظيف.

وفي جنازة قل نظيرها، اختلط فيها طيف الدولة برجالها مع أطياف الشعب بكبرائهم وبسطائهم، كان النحيب الصامت والظاهر يبكي ازورار نجم من النجوم النادرة التي كانت تنير حوالك ظلماء السياسة بالحب والود والرفق، والكلمة غير الجارحة، والجرأة في غير ما وقاحة ولا تهجم ولا صفاقة وجه. الإسلاميون بمختلف توجهاتهم افتقدوا فيه الصديق الحميم، والمعارض الخلوق الذي لا يفسد الخلاف له مع أحد مودة، واليساريون بتياراتهم افتقدوا فيه الرفيق الودود، ورجل التقريب ونواةوالتوفيق، الدولة ونخبتها خسرت فيه المخاطب الحصيف والرصين والمرن، والذي لا تفقده مرونته ظله ولا قامته ولا نخوته التي ارتضع ألبانها من أثداء الاعتزاز بمدرسة الاتحاد.

لقد كان المرحوم الزيدي بدماثة خلقه، وطيبة معشره، وبلاغة خطابه، وحكمته الطافحة في المحاورة والمواجهة، جوهرة من الجواهر العزيزة الطلب، التي رصعت قلادة العمل السياسي خلال المسيرة النضالية لحزب الاتحاد الاشتراكي، بالقدر الذي استشعر فيه البيت الاتحادي النكبة، أجل وأعظم وأعمق، ليس من حيث لوعة الفراق الفجائي فحسب، ولكن من حيث غصة الإحساس بالذنب  تجاه مظلمة الافتراق السياسي مع كانرجل أداؤه الحزبي والسياسي يصدر عن الرصيد القيمي للأصالة الاتحادية، وكان لسانه وحُدَاؤه يدعو إلى مرجعية الأصالة الاتحادية، التي دنس رحابها الانتهازيون المتاجرون بالقيم السياسية من شذاذ الوافدين على الاتحاد، أو من الانهزاميين المنقلبين على أقفيتهم.

 تلك الأصالة التي كانت تبوئ الاتحاد مبوأ السيادة والكرامة في المسار السياسي لتاريخ البلاد، لما كانت قيادة الاتحاد تصطف وراء القرار السياسي المستقل عن الإملاء والإرغام، القرار السياسي الذي ينفرز من خلال التداول الحر الديموقراطي في القواعد الحزبية المنغرسة في أوساط القوات الشعبية.

 فقد كان المرحوم الزيدي، وصنوانه ونظراؤه من سدنة الأصالة الاتحادية، وهم يتمسكون بمسلكية الالتزام الأخلاقي في الممارسة السياسية، كانوا زينة الاتحاد وعماده في انتصابه محورا ومدارا للتاريخ السياسي للمغرب الحديث.

وقد كانت معركة الزيدي الأخيرة، التي خاضها، واختطفته المنية وهو ثابت دونها كالأشجار، هي معركة التصدي للعبث بالقرار السيادي الديمقراطي للاتحاد، والحيلولة دون استفراغ هذا الاتحاد من محتواه التاريخي الأصيل، وعيا منه ورفاقه بخطورة استفراغ الاتحاد من ثقافته ومواقفه، وتداعيات ذلك في شطب الاتحاد من خارطة التدافع السياسي الإيجابي في ولأنالبلاد، المجازفة بشطب الاتحاد الأصيل مخاطرة بنسف أحد الركائز المتجذرة في تاريخ العمل الوطني، بما يفضي ذلك إلى فقدان المغرب لجذوره الوطنية، وما يفضي بالنتيجة إلى تيه فيالمغرب مجاهيل القطيعة مع التاريخ.

في معركته تلك، استنكف المرحوم الزيدي أن يلجأ إلى الوسائل القذرة لإسقاط خصومه ومناوئيه، وبصفته كان ممتهنا ومتضلعا في الإعلام، فقد كان في إمكانه تسخير الصورة والكلمة والخبر والدعاية لهزم أيا كان، ولكن حكمته أبت عليه إلا أن ينأى بنفسه عن إغراق بيته السياسي في موجة من الشروخ والانشقاقات، فكان منه التنازل الشجاع الكريم.

في صيف 1993، ولما كنا في سجون سنوات الرصاص، وكان المرحوم من مؤنسي وحشة زنازن اعتقالنا المديد بطلعاته البلاغية في البرامج الإخبارية التلفزيونية، وبحة صوته المترعة بالصدق والإباء ، استمتعنا بتتبع الهبة الشعبية لساكنة منطقة بوزنيقة، التي كانت تنتفض على مذبحة الديمقراطية، بالتزوير الفاحش في نتائج الانتخابات التشريعية ، الذي ارتكبته إدارة البصري ضد حزب

الاتحاد الاشتراكي وفارسها في المعركة الانتخابية المرحوم الزيدي، وكان عناده السياسي بالتشبث بحقه الديمقراطي في الفوز بالمقعد الانتخابي، والتفاف الحاضنة الشعبية حول موقفه النضالي، بمسيرة شعبية هائلة نحو قصر الصخيرات، من أجل عرض المظلمة الانتخابية على الملك الحسن الثاني، حوصرت أمنيا وعسكريا برا وجوا، وانتهى الأمر بكسر إرادة داخلية البصري، وتمكين الفائز من استحقاقه الانتخابي.

كان هذا التطور في الأداء الشعبي وفي الرضوخ السلطوي للإرادة الشعبية، موحيا لنا نحن المعتقلين السياسيين باقتراب نضوج تحولات سياسية في الموقف الرسمي من المآل السياسي وبعدللبلاد، سنة من هذا الحادث، في صيف 1994، انفتحت أبواب السجون المغربية عن إفراج عام عن المعتقلين السياسيين، وأفسح المجال لعودة المنفيين السياسيين، في أكبر انفراج سياسي عرفه المغرب أحل مصالحة النظام السياسي مع الإسلاميين تجربة من ذلك استتبع وماواليساريين، حكومة التناوب.

رحم الله حكيم الاتحاد أحمد الزيدي المحبوب حيا وميتا.