في أوائل شهر غشت من سنة 2013 تم تعيني أستاذا لمادة الفلسفة رفقة مجموعة من الأساتذة الجدد في ثانوية الخوارزمي التأهيلية المتواجدة في جماعة زمران الشرقية بإقليم قلعة السراغة، بعد التحاقنا يوم 3 شتنبر 2013 بالمكان الذي تتواجد فيه المؤسسة على الأوراق الرسمية قصد توقيع محضر الالتحاق فوجئنا بغيابها. ومنذ ذلك الحين ونحن ندرس ثارة في الجماعة القروية بجوار موظفي الجماعة وثارة في المدرسة الابتدائية المهجورة إلا من رؤوس المواشي والمدمنين المتجولين بحثا عن تلميذة تنضاف إلى قائمة الصور التي تسبح في ذهنهم المكبوث، وذلك ضمن شروط بئيسة تفتقد لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية حيث يفكر الأستاذ والتلميذ في مكان قضاء الحاجة الطبيعة أكتر من تفكيره في الدرس وسريانه نتيجة غياب المراحيض والكهرباء والماء الصالح للشرب.

المؤسسة غير موجودة إلى يومنا هذا ولم نلقى من المسؤولين سوى التهاون وعدم الاكتراث وانعدام الإحساس بالهم والمعاناة.كيف سيتأتى لهؤلاء التلاميذ التحصيل في شروط كهذه؟ كيف سيتأتى لهذا المدرس أن ينتج في وضع يمس بكرامته وآدميته؟

يكثر الحديث اليوم عن أزمة التعليم المغربي وعن أزمته الإنتاجية وغالبا ما يتم ارجاعها للبرامج الدراسية أو لعدم كفاءة المدرسين متناسين الحالة اللئيمة التي توجد عليها مدارسنا، إذا كانت هناك رغبة فعلا في إصلاح واقع تعليمنا فعلينا أن ننطلق من الجوهر وليس من القشور.

غدت المدرسة الحديثة تخضع لمنطق تنافسي مثل ذلك الذي تخضع له سوق الشغل إذ أصبحت مصنعا ضروريا للمعرفة التي تتطلب الجهد، كما أصبح كل شيء بدون استثناء في الحياة المدرسية: المنهاج، الملخصات، الإمتحانات، درجة الطلاب، الصفوف، الأقسام، يؤكد على الهدف التنافسي للمؤسسة التعليمية. أين هي مؤسساتنا من كل هذا؟ إلى متى ستبقى مؤسساتنا متخلفة ومتفككة وفقيرة؟ إلى متى ستبقى تائهة لا تدري أين هي؟

إنها أزمة شمولية تنطبق على مؤسسات التعليم الأساسي والثانوي وعلى كل عناصر التعليم من هيئة التدريس إلى الإدارة والتلاميذ ومختلف مكونات العملية التعليمية التعلمية، والتقييم والتلقين وضبط المهارات، والتخطيط والارتباط بالواقع والمساعدة على التكيف مع متطلبات المجتمع. أزمة النظام التعليمي معناها أزمة توافقنا كمجتمع وقدرتنا على التوحد أمام مستقبل منشود، إصلاح التعليم والتخطيط لتنمية اقتصادية واجتماعية من نوع معين يظهر كما أكد الراحل محمد جسوس أن التعليم مطلوب منه في المجتمع المغربي ومجتمعات شبيهة به أن يقوم بمهام أساسية ثلاث:

المهمة الأولى: هي التنمية الاقتصادية –الاجتماعية أي قدرة المجتمع على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين ثم القدرة على الادخار وعلى الاستثمار والتشغيل وتوظيف المعارف العلمية والتكنولوجية في خدمة الغايات الإنسانية ولتحسين الوضع الإنساني. وتطوير قدرتنا على الانتاج في الميدان الفلاحي وفي الميدان الصناعي وفي ميدان المبادلات الخارجية.

المهمة الثانية: هي البناء الديمقراطي، أي الحد الادنى من المشاركة ومن المسؤولية، حد أدنى من كون الإدارة يجب أن تكون إدارة عصرية حديثة تعتمد على المهارات والكفاءات والتخطيط. إذن ضمان حد أدنى من البناء الديمقراطي من تحديث نظام الدولة والسلطة ومن تدبير وتسيير الموارد العمومية.

المهمة الثالثة: هي مسايرة الثورة الشاملة في الطرق العلمية والطرق التكنولوجية التي تحدث الآن على الصعيد العالمي والتي تقلب كل موازين القوى في ميادين الثقافة والفكر والسياسة والديبلوماسية إذ لا يمكن لنا أن ننعزل على الصعيد العالمي فليس لنا إلا أن ننظم طريقة اندماجنا في النظام العالمي أو أن النظام العالمي يفرض علينا ما يريد ولنا أن نتحمل ما يترتب عن ذلك من عواقب.

هذه المهام الثلاث : مسألة التنمية ومسألة تحديث الدولة أو الديمقراطية ومسألة الثورة العلمية والتكنولوجية أصبحت اليوم من ضروريات الحياة. ومشكلة المجتمع المغربي أن النظام السياسي والطبقات السائدة لا تقبل هذه المهام الثلاث كضروريات للإصلاح الشامل بل لا تقبلها إلا إذا تمكنت من تكييفها وتوظيفها في خدمة استمراريتها ومن هنا فالنظام التعليمي أصبح الآن بمثابة آلة ليس لها وظيفة واضحة، النظام التعليمي عرف ازدهارا وتطورا عندما كان النظام السياسي يحتاج إلى مصالح عمومية أو إلى موظفين، أما الآن فقط أصبح الاستثمار في تكوين الأطر يشكل خطرا على النظام السياسي والاقتصادي السائد أصبح انتاج الشهادات ليس وسيلة لضمان واندماج الشباب في الحياة العملية بل وسيلة لتهميشهم ولإنتاج المزيد من العاطلين. وبالتالي فإن الإشكال الأساسي للنظام التعليمي يتمثل في غياب التوافق بين مشروع مجتمعي حضاري عام يحدد بصفة عامة ما طريقة تعاملنا مع هذه المهام الاستراتيجية الثلاث التي لا مفر منها، التنمية والحداثة والديمقراطية والثورة العلمية والتكنولوجية. غياب هذا التوافق له عواقب متعددة على صعيد المعرفة وعلى صعيد التحديث بحيث يستحيل التخطيط أمام انعدام الثوابت. وكمثال على ذلك يمكن أن نورد ما عرفته الساحة التعليمية من تعاقب الإصلاحات العديدة ولكن هذه الإصلاحات تتعاقب الواحدة تلو الأخرى دون تحقيق تراكم بل تحدث قطائع ، إذ كل مجموعة وزارية تأتي بإصلاح جديد دون ان يعتمد على حصيلة ما وقع تراكمه .