ذة. حفيظة حيون

انتهى زمن "الالياذة" و"الاوديسا" و"جلجامش" و"انكيدو" كملاحم تمجد البطل الفرد، وإن كان وجودها لا زال حاضرا كمنبع إلهام لا ينضب للشعراء، والكتاب والمسرحيين، وكل المبدعين، يغوصون بين ثناياها، ويُشهدون على عصرنا أساطيرها وأبطالها الرئيسيين والثانويين، ولكي يتزودوا منها بشحنة إبداعية وطاقة فنية من أجل خلخلة مشاعر القراء والسمو بملكة أذواقهم والتزود منها، واسقاط أحداثها على واقعنا بلمسة الغرابة والسؤال والاستثناء والتميز.

وجدنا أنفسنا الآن - وكأن التاريخ بالكاد يعيد نفسه أو أقلّ قليلا- أمام الملاحم التي تسطرها الشعوب بتضحياتها ونضالاتها في سبيل البقاء من أجل حياة الكرامة والحرية، وبفعلها الايجابي في قدرتها على امتلاك مصيرها والتحكم فيه بشكل يجعلها سيدة نفسها. الملاحم يساهم في هندستها؛ مفكرون عظام وجدوا لينيروا شموعا تضيئ طريقنا نحو غد نصنعه بأيدينا من خلال الاهتداء بإبداعاتهم وإسهاماتهم وانخراطهم الحقيقي في حركة تنوير المجتمعات وتسليحها بفكر وبمبادئ وقيم تساهم في تشكيل وعي جمعي يتوق إلى معانقة البطولات الحقيقية التي تغير ما هو سائد لا أن تكرس السائد لتصنع قطيعا لا يجيد إلا البعبعة والخنوع.

الملاحم هي انتصارات نظم على نظم، وانتصار حياة على أشباه الحيوات، الملاحم هو هدم شامل من أجل بنية جديدة سليمة، ملامحها؛ شهداء قضوا من أجل رسم لوحة طرزوها بلون الحياة، بكل القيم الجملية والرائعة التي تعلمناها من ملاحم سطرت عبر التاريخ واستلهمنا منها أن كينونة الانسان لا يمكن أن تكتمل إلا إذا كان حرا وغير مقيد ولا محنط التفكير الذي يجعله فاقدا لملكة البصيرة والبصرة، فيصاب بمرض يعفيه من رؤية أي شيء، إلا الذات المقدسة التي لا تليق بها من وجهة نظره، إلا أسماء الله الحسنى لأنها "تمنحنا" الوجود والكيان وما دونها فهو عبث وفوضى.

"هوميروس" احتفل بـ"الالياذة" لأنه هزم جيش طروادة، بعد حرب دامت أكثر من عشر سنوات. عاد كل أبطال الحرب إلا هو، احتفل الاغريق لأنهم استرجعوا السيدة "هلين" زوجة ملك "اسبرطة" التي اختطفها ملك طروادة، وهم بذلك استطاعوا استرجاع شرف الشعب الاغريقي، فكانت الملحمة رمزا وتعبيرا عن بطولتهم وانتصارهم الذي تقاسمه الشعب شمالا جنوبا شرقا وغربا ووصل مداه كل أطراف العالم حتى باتت ملحمتهم الآن تاريخا حافلا بالمجد والشّرف والبقاء.

تنتهي ملحمة "الاوديسا" بعد عودة كل الأبطال من الحرب بانتصار ملك "اثابيا" و انتقامه من كل الذين تجرأوا وطلبوا الزواج من زوجته، "بينلوب" الملكة، عبرت عن رفضها لكل مشاريع الزواج وفاء لزوجها الغائب الذي لم ينجح في العودة مع رفاقه المحاربين بسبب غضب إله البحر عليه.

ملحمة الرداءة: "المشرق والمغرب" بأي أمجاد تتغنى؟ وأي بطولات تستعرض؟ 

وعن أي انتصارات تتحدث؟ وبأي انجازات تفتخر؟ هل تفتخر بسجون خالية من أي معتقل سياسي حرم نعمة الحرية المتأصلة فينا لأنه رفع الصوت من أجل حياة عادلة؟ هل تفتخر بمعتقلين مكبلين بأصفاد حتى وهم يدخلون في شهرهم الثاني للاضراب ؟ هل تفخر بمستشفيات تعترف بأدمية الانسان فتوفر سريرا دافئا لأم يمنحها حق وضع جنينها بشكل طبيعي بدل أن تضعه على اسفلت يجعلها لا تختلف عن باقي التدثييات الحيوانية؟ هل تتغنى الملحمة بتفاعل أسطورة الملحمة بمطالب الشارع المغربي سواء التي صدحت بها حناجر المواطنين من أجل الحرية والعدالة والمساواة ومحاكمة المفسدين والناهبين لخيرات الشعب المغربي، هذا البطل الذي استبلدنا وتساءل مثلنا عن مصير ثروة منهوبة " يجهل" مصيرها، ويجهل من يسرحون ويمرحون بثروات البر والبر؟ هل تفاعل البطل مع مطلب لحق في الشغل واعترف بكفاءات شباب قضوا نصف عمرهم بين مدرجات جامعية، لم تمنحهم سوى الحق في أن يكونوا باعة متجولين على الرصيف ؟ هل تفخر الملحمة بحماية البطل لأحد عشر كوكبا اغتصب طفولتهم كما اغتصب حكامه سبتة ومليلية ؟ هل تفخر الملحمة بانتصارات ومعارك ديبلوماسية في المحافل الدولية لاسترجاع المدن الشمالية؟

أينك يا "هوميروس" لترى وتسمع المفهوم الجديد للملحمة ؟ أينكم يا من يسمون أنفسهم مثقفين عضويين للرد على هكذا رداءة و تفاهة ؟

أبناؤنا في حاجة إليكم...