وقع وزير التعليم العالي والبحث العلمي السيد "لحسن الداودي"مع ووزير الاقتصاد والمالية "محمد بوسعيد" في 15 مارس الماضي، مرسوما مشتركًا يقضي بتعاقد المؤسسات الجامعية المغربية مع طلبة باحثين في سلك الدكتوراه، ابتداءً من عامهم الثاني مع أن تنص هذه العقود على العمل لـ15 ساعة أسبوعيًا، دون امكانية مطالبة الطالب المتعاقد للوزارة بتعويض أو بتوظيفه في الجامعة بعد انتهاء مدة التعاقد التي تنحصر في موسم جامعي واحد مع إمكانية التمديد لموسمين آخرين فقط، وجاء في المادة رقم 10 من المرسوم بأن معدل المتعاقدين يخضع لمدى حاجيات المؤسسات الجامعية، وسيكون عددهم الإجمالي مساويًا لعدد المناصب المالية المخصصة للأساتذة الجدد الذين يتم توظيفهم.


وهي المادة التي جعلت الطلبة الباحثين يفهمون بما لا يدع مجالا للشك بأن السيد الوزير بمرسومه هذا يكون فعلا قد بدأ بتنزيل قانون التعاقد الذي اقترحه زميله في الحكومة السيد "محمد مبدع" وزير الوظيفة العمومية، الشيء الذي جعل الطلبة الباحثين يشعرون بالخطر، وكان طبيعيا أن ينتابهم الشعور بالخوف على مستقبلهم، على اعتبار أن هذا القرار من شأنه أن يقتل حلمهم في التوظيف مستقبلا كأساتذة جامعيين،ذلك أن كل الخصاص في أطر التدريس داخل الجامعات سوف يملأه طلبة متعاقدين، لا يُكلفون الدولة إلّا أقل من نصف أجر أستاذ التعليم العالي المساعد مع العمل لساعات أكثر، أي بـ5000 درهم فقط شهريا عوض 13000 درهم تكلفة توظيف أستاذ تعليم عالي مساعد.
وبمجرد أن تطورت احتجاجات الطلبة الباحثين بلغت حد توقيع أكثر من 500 طالب باحث في مختلف الجامعات والمعاهد على عريضة الكترونية تطالب السيد الوزير بالتراجع عن المرسوم أو تعديله بمرسوم يكفل حقا لإدماج في الوظيفة العمومية للطلبة المتعاقدين مع الوزارة مع فتح المباراة لجميع الدكاترة، بالإضافة الى مطالب أخرى تشمل المطالبة بزيادة العدد الإجمالي للمناصب المالية المخصصة لتوظيف الأساتذة المساعدين مع إقرار لمبدأ تكافؤ الفرص عن طريق فتح المباراة أمام جميع الدكاترة دون تميز أو امتياز، وإلغاء النسبة المخصصة للموظفين وتعميم المنحة الجامعية وزيادة قيمتها الى 5000 درهم شهريا، مع تمديدها لفترة الست سنوات الت يتم إقرارها كحد أقصى للدكتوراه بحيث لوح الطلبة الباحثين بإمكانية مغادرتهم للمختبرات بشكل جماعي في حالة إذا لم يتم التراجع عن هذا القرار أوت عديله والاستجابة لكل المطالب الواردة في عرضيتهم.
وقد جاء الرد أخيرا من السيد الوزير عبر موقع "هسبريس" وعبر توقيعه لــ"بيان الحقيقة " نشره الوزير الداودي يوم الثلاثاء 03.08.15 على صفحته في الفيسبوك. وقد حاول طمأنة الطلبة الباحثين وامتصاص غضبهم، وفضل الوزير الداودي أن يبدأ رده باتهام الطلبة المحتجين بمحاولة نشر الشائعات واشعال الفتنة، موضحا بأن العمَل بنظام عقود مؤقتة مع الطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه من أجل التدريس في الجامعات "يهمّ 300 منصب ولا علاقة له بالمناصب المالية الجديدة التي تحدثها الوزارة والتي تصل إلى 500 منصب جديد، إلى جانب 500 منصبْ آخر قادمة من الوظيفة العمومية، ما يعني أننا أمام 1300 منصب لم يسبق تحقيقه بالجامعة من قبْلحسب تعبيره، قائلا بأن اقتراح التعاقد مع 300 طالب باحث في سلك الدكتوراه هي"خضرة فوق الطعام فقط"، ولا علاقة لها بمناصب التعاقد الـ300 وأصر الداودي على أن الهدف من الخطوة هو إتاحة الفرصة امام الطالب الباحث لتأهيله واكتسابه للتدريب والمهارات بشكل كافٍ حتى يمكن أن يشغل منصب أستاذ جامعي في المستقبل حيث ستتوفر لديه التجربة اللازمة.
غير ان رد الوزير الداودي لم يُقنع الطلبة الباحثين بشكل نهائي، خاصة إذا استحضرنا الهاجس التقشفي الذي طغى على هذا المرسوم، فالمادة 10 في المرسوم واضحة تماما، حيت تنص على أن عدد التعاقدات مع الطلبة هو بعدد المناصب المالية المخصصة لأساتذة التعليم العالي مساعدين، وإلاَ فما الدافع من إقران عدد المتعاقدين مع عدد المناصب المالية المرتبطة بحاجيات الجامعات من أساتذة التعليم العالي مساعدين؟؟
يجب أن يعرف الوزير الداودي على أن الطلبة الباحثين ليسوا ضدّ فكرة اكتسابهم للتجربة والمهارات من هذه العقود، لكن تحفظنا على خطوة الوزير الداودي وتوقيعنا العريضة الاحتجاجية هو بالأساس تخوفا من إيقاف التوظيف أو التأثير السلبي المحتمل لهذا القرار على عدد المناصب المالية من حاجيات المعاهد والجامعات (خفض عددها) ،بما يعني أن مصير الدكتور المعطل وغير الموظف الذي كرس حياته فقط للبحت العلمي داخل المختبر سيظل مجهولاً، وما يعزز الدواعي التقشفية لهذا المرسوم هو حينما نقارنه مع تجارب أخرى لبلدان أفضل من المغرب في مجال البحت العلمي كفرنسا مثلا.
فإذا كانا لوزير الداودي يطرح قيمة 5000 درهم شهريا كتعويض للطالب الباحث المتعاقد مع الوزارة مقابل 15 ساعة عمل في الأسبوع، أي ما يعادل تعويضًا بقيمة 83 درهم فقط عن كل ساعة (Euro 8)، فإن جامعات في بلد مثل فرنسا تبلغ قيمة التعويض عن الساعة الواحدة (Euro 56) وهي قيمة يتضح من خلالها مضمون تشجيع الطالب الباحث والبحت العلمي بصفة عامة، ولاَ أَدَل على ذلك سوى أن تعويض أستاذ متعاقد عادي في الجامعات الفرنسية يبلغ (Euro 42) فقط لكل ساعة عمل، أي بأقل من(Euro 8)مقارنة مع قيمة تعويض الساعة الواحدة لطالب باحث متعاقد مع الجامعة.
فإذا كان الهدف فعلاهو إتاحة الفرصة للطلبة للتدريب واكتساب المهارات، فلا بأس دائما أنْ نسْتعير من تجارب بلدان يعد مُؤشرها في البحت العلمي أفضل من المغرب، ودائما نأخذ مثال فرنسا حيتيتعاقد فعلا الطلبة الباحثين مع الجامعات، لكن بعقود أفضل ومعقولة بما يسمح لهم باستيفاء ما قدره 4 ساعات في الأسبوع كحد أقصى مقابل تعويض شهري قدره(Euro480) صافية، كما أن هذه العقدة لاَ تحرمه من حقه المكتسب في المنحة الجامعية التي تبلغ قيمتها (Euro 1300).
أما في المرسوم الذي اقترحه السيد الوزير فهو يطرح فكرة تعاقد الطالب الباحث مع الجامعة بما مجموعه 60 ساعة شهرياً وهو مايعادل عدد الساعات التي يستوفيها الطالب الباحث في فرنسا في سنة واحدة،دون احتساب عدد الساعات الأخرىالتي سوف يحتاجها الطالب الباحث من أجل الإعداد لمهامه التدريسية (الأعمال النظرية والتطبيقية)، وهوما يعني أن عدد الساعات الحقيقيةسوف يتضاعف وقد يصل إلى 120 ساعة في الشهر؟؟؟. فلنا أن نتخيل كم هو حجم العبء الذي سوف يَتَحمله الطالب الباحث مقابل تعويض لا يمكن أن ينصفه إطلاقا، والأخطر من هذا كله هو أن هدف السيد الوزير في تشجيع الطالب الباحث والبحت العلمي لن يتحقق أبدا، بالنظر الى أن هذا الطالب في هذه الحالة لن تبقى له سوى ساعات قليلة لترتيب حاجاته المنزلية وساعات اخرى للأكل والاستحمام وإن تبقي له شيء فهو ليخلد للنوم.
لقد خاض رئيس الحكومة "بنكيران" حربا ضروسا ضد المعطلين أصحاب الشهادات العليا ومنهم من يتوفر على شهادة للدكتوراه ورَفَض توظيفهم بحجة أن المباراة هي الحل الذي يمتلكه لمعضلة البطالة، ومع أن هذه المباراة لا نسمع بها إلا نادرا فإن وزارة التعليم العالي ابتدعت بدعة جديدة لم نسمع بها إلا في زمن السيد الوزير وهي بدعة "مباراة خاصة بالموظفين !!!؟؟؟" وهو  ما ينطبق على المثل المغربي "طلَعْ كولْ الكرموس نْزَل شكون كالهاليك (سير دَوز المباراة ... لا هي مباراة خاصة بالموظفين)".


وغالبام ا يحصل الموظفون على هذه المناصب بملفات لا ترقى إلى هذا المنصب بحكم انعدام المنافسة بينما نجد دكاترة معطلين وغير موظفين محرومون من هذه المباراة رغم أن لهم ملفات أفضل بكثير.
لقد أصر السيد الوزير الداودي على تكرار هذا الخطأ القاتل وخصص عدد 500 منصب مالي لهذه السنة للموظفين سيتم تحويلهم الى الجامعات في مباراة تغيب عنها روح المنافسة، والأغرب من ذلك كله هو أن الذين لم يتمكنون من النجاح في مباراتهم الأولى لهم الحق ايضا في منافسة الغير موظفين في الــ 500 منصب أخرى المتبقية !، وعلى الدكاترة غير الموظفين والمعطلين الذين يشكلون العمود الفقري للمختبرات في المعاهد والجامعات أن يتنافسون على أقل من الــ500منصب مالي المتبقية ؟؟ هل بهذه الطريقة يريد السيد الوزير تشجيع البحت العلمي ويَحُول دون مغادرة الطلبة الباحثين للمختبرات؟ لا أضن ذلك.
وهذا لا يعني أننا نريد أن نحرم الموظفين من حقهم المشروع في أن يصبحوا أساتذة في الجامعات ، إنما نطمح أن لا يكون ذلك على حساب منطق تكافؤ  الفرص بين الجميع، وإن كان هناك ضرورة لامتياز معين فيجب ان يكون للمعطل الدكتور وغير الموظف تعويضا له للوقت الذي ضحى فيه في المختبر مجتهدًا وفي ظروف قاسيةمحروما من المنحة مواجها كل الضغوط المادية والعائلية والمجتمعية، في الوقت الذي كان فيه الموظف الباحث يُحضر أطروحته خارج المختبر بكل أريَحية مالية ونفسية وتحرر من ضغوطالأستاذ المشرف، بل الأدهى من ذلك أن العديد من الموظفين نشروا مقالاتهم عن طريق الدفع المسبق وفي مجلات لا تطلب الاً المال فقط. فأيُ تعليم وأيُبحت علمي نُريد أن نُطور إذا كان هاجس الوزارة فقط هو التقشف فقط. ودعونا لا نخوض في النتائج الكارثية لهذه البدعة المسماة " خاص بالموظفين"، فقط سبق لطلبة في كليات عديدة ان احتجوا على مستوى أساتذة تم تحويلهم من وظيفتهم الى استاد تعليم عالي نظرا لانقطاعهم وعدم مواكبتهم للمستجد العلمي في تخصصاتهم.
إن قضيتنا ليست ضد الموظفين أو أننا نريد أن نسيئ لهم، بل على العكس من ذلك فهناك من الدكاترة الموظفين من على كفاءة عالية تتجاوز بكثير أحيانا الطالب الباحث العادي، والحل الذي نقترحه في هذه الحالة هو كما جاء في العريضة التي وقع الطلبة الباحثين عليها، هو أن تُفتح المباراة امام جميع الدكاترة سواءً كانوا منالموظفين أو من المعطلين أو من الذين يشتغلون في القطاع الخاص، على أساس أن يكون الاستحقاق المبني على الحصيلة العلمية هي المعيار الوحيد للولوج إلى منصب أستاذ التعليم العالي، ولا مجال لكوطة معينة خاصة بالموظفين.
على الجانب الاخر، فقد تحدت السيد الوزير عن ماهية الطلبة الذين سيتعاقدون مع الوزارة ووصفهم بـ"الطلبة المْخيْرين"، أي الطلبة الحاصلين على منحة الامتيازكما صرح بذلك غمزا، ولَبد أن نتوقف عند هذه النقطة بالذات، لنُذكر السيد الوزير وهو يعرف ذلك أحسن منا عن الفساد وحجم "الخواض" السائد في هذا الموضوع فليس كل طالب حاصل على منحة الامتياز يستحقها، فالطلبة الباحثين يعرفون هذا جيدا ولسنا في حاجة إلى سرد الكثير من الأمثلة لنثبت ذلك.
وإذا كانت النوايا صادقة فعلاً وكان المقصود من مرسوم هو تطوير مهارات الطالب الباحث ولا علاقة له بأي أهداف تقشفية أخرى تستهدف الإجهاز على الحق في الولوج الى الجامعة كموظف بكامل الحقوق.فيجب ألاَ يكون ذلك حكْرا على ما وصفهمالسيد الوزير بــ "الطلبة الْمْخَيْرين"، بل يجب أن تكون فرصة التدريب وتطوير المعارف والمهارات متاحة لكل الطلبة الباحثين على اعتبار أن قبولهم المسبق في التسجيل في سلكالدكتوراه لم يكن ليتحقق لولا أنهم "مْخَيْرين"وإلاَ فيحق لنا بأن نسائل الوزير عن السبب الذي يجعل جامعات تحت وصايته تقبلبتسجيل طلبة غير "مْخَيْرين" في سلك الدكتوراه. وعلى هذا الأساس فنحن نقترح بذلا من ذلك خفض عدد ساعات العمل التي جاء بها المرسوم من 15 ساعة الى 4 ساعات كحد أقصى يستوفيها الطالب المتعاقد في الأسبوع وبهذا سيرتفع عدد مناصب العقود التي اقترحتها الوزارة من300إلى 1200 عقدة، وبهذا المعنى نكون قد وسعنا دائرة الإيجابي وأكثرنا من كمية "الخضرة فوق الطعام" كما سماها الوزير الداودي، بالإضافة الى أن عمل الطالب الباحث لأربع ساعات في الأسبوع سوف لنيؤثر على مردوديته العلمية.
في النهاية نحن نعتقد بأن مشروع السيد الوزير ليس كله " شرًا يُرفض"، ويمكن أن تكون نتائجه ايجابية إذا استطاع الوزير الداودي تبديد مخاوف الطلبة الباحثين من مشروعه هذا التعاقدي كما أشرنا إلى ذلك في بداية هذه المساهمة، ويجب في هذه الحالة أن تكون معايير التعاقد مع الطلبة الباحثين بنفس معايير اختيار استاد التعليم العالي مساعد، وهي بناءً على الحصيلة العلمية لكل طالب باحث (مقالات علمية، مناقشات،معروضات، مشاركات في مؤتمرات إلخ. تكوينات، المشاركة في الدروس التطبيقية والنظرية ...) وهذا من شأنه خلق مناخ من المنافسة الإيجابية بين الباحثين ويرفع بذلك من مردود البحت العلمي في الجامعات والمعاهد، ولا يجب وضع معايير اخرى تكون مدخلا للزبونية والمحسوبية وكل أنواع الفساد (كمباراة شفوية أو كتابية).


* طالب باحث، عضو اللجنة التحضيرية للجمعية المغربية للدكاترة والطلبة الباحتين (AMDDC)