احب هولندا.هذه الدولة الصغيرة البعيدة الواقعة في شمال أوروبا التي ساهم المغاربة بسواعدهم في إعادة بنائها بعد حرب عالمية مدمرة لم تسلم من شرها رغم إعلانها للحياد .

قصة الحب ابتدأت وأنا صغير . كان الكثير من أبناء قريتي الريفية القاطنين في هدا البلد يعودون كل صيف حاملين معهم كل ما هو جميل . حلوى لذيذة وشوكولاطة شهية ولعب تطفئ لهيب جنوننا الطفولي في اللعب واللهو ...
بسياراتهم الأنيقة والفارهة وملامح وجوههم المائلة إلى البياض وملابسهم الجديدة كنا نتخيلهم كأنهم عائدين من الجنة . لمدة أسابيع كنا نستمتع بالحديث مع "الهونديين"الصغار رغم أننا لا نفهم ما يقولونه . ونسرح بخيالنا ونحن ننصت إلى حكايات الكبار وهم يتحدثون عن ذلك العالم الجميل . وعندما يعودون أدراجهم كانوا يتركون قريتنا موغلة في الوحشة والعزلة والغربة القاتلة .كرهت قريتي وخشونتها وتعلق قبلي بالفاتنة هولندا .

كبرت وسنحت لي الفرصة لزيارة هذا البلد . وجدته كما تخيلته وعشقته ،طبيعة جميلة وأخاذة ،فأينما وليت وجهك لا ترى غير الجمال والبهاء .
روتردام وأيندهوفن وأوتريخت وغيرها مدن جميلة تكتشف فيها عبق التاريخ والحضارة .فتيات هولنديات شقراوات راكبات لدراجاتهن ويوزعن الإبتسامات والضحك يمنة ويسرة مشهد لا ينسى .
تذكرت مقولة "المغرب أجمل بلد في العالم " التي يروجها إعلامنا البئيس بأسى وحسرة وتساءلت : ألهذه الدرجة يسخر منا الأوغاد ؟
الهولنديون رغم تحضر بلدهم وجماله لا يعتبرونه الأجمل ،يعتبرونه جميلا وكفى .

مقولة المغرب هو الأجمل على وجه الأرض قالها الأثرياء الذين اغتنوا
بدون وجه حق وراكموا ثروات على حساب الفقراء ، وهذا ما لا يستطيعون فعله في بلد ديموقراطي . كذبة صنعوها وسوقوها للفقراء الذين صدقوها وخونوا كل من قال عكسها .
احب وطني ،ولا أقبل دروسا في الوطنية من أحد .لكن المغرب ليس مؤهلا ليكون الأجمل بين البلدان وهذه هي الصراحة المؤلمة . في المغرب ما أن تكتشف شيئا جميلا إلا ويفاجئك القبح قابعا إلى جانبه حتى قبل الإستمتاع بذلك الجمال .
هولندا تغيرت كثيرا . هذا ما يقوله المغاربة العائدون من هناك ويقوله
الإعلام أيضا . الوطن الذي فتح أحضانه للجميع و كان يضرب به المثل في التسامح والتعايش بين الأعراق والثقافات لم يعد كما كان .
الثقافة تسممت وهولندا ما عادت تبتسم .الوضع ازداد سوء بعد مقتل الفنان الهولندي فان فوخ على يد متطرف مغربي مجنون رأى في القتل الوسيلة الأجدى للثأر ممن يتجرأ على الإساءة للإسلام .
قصة تعويضات الأرامل والأيتام المغاربة مع الحكومة الهولندية وجه اخر للتحول الجذري في سياسة هذا البلد ، وهو دليل على أن الوضع السياسي والحقوقي والإجتماعي فيه يسير نحو الأسوأ .

سكان الريف من حقهم أن يحبوا هولندا بل من واجبهم أن يعترفوا لها بالجميل . لقد اوت اباءهم وأطعمتهم وكستهم بعدما فروا من وطنهم بسبب الحصار السياسي والإقتصادي الذي عرفته منطقة الريف بعد الإستقلال . وبفضل عائداتهم المالية الوفيرة ، وفروا مصدر رزق لعائلاتهم وساهموا بقوة في النهضة العمرانية والتنمية الإقتصادية لمنطقتهم والمغرب .إضافة إلى كل ذلك هولندا لم تحتل أراضينا ، ولم تتلطخ أياديها بدماء أجدادنا ، لذلك تستحق أن نحبها رغم كل شيء.