عبد النبي التليدي

لم أستسغ لحد اليوم وفاة المرحوم أحمد الزايدي لأنها كانت وفاة مفاجئة للجميع رغم أن الموت قدر مكتوب في الزمان والمكان ولا راد له غير إرادة الله الذي «خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا» (آية من سورة الملك) حيث يلاحظ القارئ أن الموت سابق على الحياة ومقدم عليها، وفي ذلك فليتمعن المِِؤمنون ويتفكرون !. وصادمة للكل لأنها تمت في ظرف مكاني مأساوي ومحزن بكل المقاييس في الوحل وغرقا داخل سيارة لم يستطع الخروج منها، وحيدا تحت ممر مهمل للقطار، وظرف زماني فيه بداية لدخول سياسي وبرلماني وما كان يهيئه المرحوم مع ثلة من زملائه سواء داخل حزبه (الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) أو داخل البرلمان باعتباره رئيس فريق، والأمل الذي كان معلقا عليه كسياسي محترم وجاد يعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاده من مبادئ وقيم الحزب الذي اختلط فيها الجد بالهزل والحق بالباطل والمصلحة العامة بالمصالح الخاصة والأخلاق باللأخلاق، وكبرلماني مقتدر ذي خبرة لا تعوض يحظى باحترام الجميع يعمل بكل تفان وإخلاص غايته الإصلاح والقيام بدوره كما يستوجب العمل البرلماني النزيه بعيدا عن الأطماع الرخيصة و عن السياسي والبرلماني الذي تحدث عنه الملك.

وبمثل ما أتصور المرحوم وهو يقاوم الموت داخل سيارته الغارقة في الوحل تحت الماء بكل ما أوتي من جهد ووسائل منها تكسيره لمقعد جلوسه لعله يستطيع فتح الباب الخلفي للسيارة والخروج منها بعدما حاول بعصاه تكسير وفتح الباب اليسرى، دون جدوى، لأن جهده إنهار فسلم روحه لباريها أحسبه شهيدا لأن من مات غرقا وهو ينطق بالشهادتين فهو من الشهداء، كنت أتصوره أيضا وهو يقاوم موت القيم والمبادئ السياسية في هذا الوطن العزيز الذي كان عزيزا عليه مثل ماهو عزيز عند كثير من المواطنين الصادقين الذين ما بدلوا تبديلا من أجل وطن حر ديمقراطي آمن ومستقر خاصة في ظروف محلية وإقليمية مضطربة .. وفي حزب المهدي وعمر وعبد الرحيم بوعبيد الذي زاغ عن الطريق وغرق في الوحل السياسي وغطته الانتهازية والوصولية والذاتية واللأخلاق، وفي جماعة "بوزنيقة" التي صارت مثالا للتشبت بالنزاهة في الإنتخابات وبالديمقراطية في التسيير وبالأخلاق في التنمية الإقتصادية والإجتماعية ونموذجا يقتدي بها .

وهكذا مات المرحوم أحمد الزايدي يقاوم الفساد السياسي الذي عم وانتشر والريع المالي والاقتصادي و المنصب والمسؤولية الذي يقاوم من أجله "المناضلون" وأشباه "المناضلين" الذين لا أخلاق لهم ولا ضمير غاياتهم "أنا وبس" و"لغيري الطوفان" .

فهل يقتدي "هؤلاء" بسلوك وأخلاق المرحوم أحمد الزايدي؟