أحمد عصيد ـ عندما انهزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية اضطرت إلى التوقيع على وثيقة الاستسلام والاعتراف بهزيمتها أمام الولايات المتحدة، وقررت القطع مع ماضيها السيئ المليء بالمذابح والعنف الوحشي ضد جيرانها، والانكباب على إعادة بناء اليابان الحديثة الناهضة مثل المعجزة من بين أطلال الحرب وخرائبها. بعد بضعة عقود أصبحت اليابان قوة اقتصادية هائلة منافسة للولايات المتحدة في العلوم والتكنولوجيا، ولم تعد أبدا إلى المغامرات الحربية والأوهام الأمبراطوية العتيقة .

نفس الشيء حدث لألمانيا، فبعد هزيمتها وخراب بلدها خرابا تاما بسبب الأوهام التوسعية النازية، قررت أيضا إحداث قطيعة حاسمة ونهائية مع ماضيها السيئ، والاتجاه نحو بناء الذات بناء على إرادة الشعب الألماني القوية، وعلى العقل العلمي الجبار الذي استطاع تحقيق ما أصبح معروفا في التاريخ بـ"المعجزة الألمانية"، وها هي ألمانيا اليوم تحتل الرتبة الأولى في الاتحاد الأوروبي بقوة إنتاجية تصل إلى 35 في المائة.

الملاحظ في الحالتين معا أن المنهزمين اعتمدا أسس نجاح الأقوى الذي انهزموا أمامه، ودخلوا في منافسة معه في مجال قوته التي تعتمد مرتكزين اثنين: القوة الصناعية العلمية والتكنولوجية، والنظام الديمقراطي المبني على حقوق الإنسان. ولم يعد الألمان واليابانيون إلى الماضي للاستنجاد بالأجداد أو التذكير بالأبطال القوميين القدامى والسابقين، كما لم يلجئوا إلى الكنائس أو الأديرة أو المعابد البوذية لمطالبة السماء بالتدخل لصالحهم والانتقام لهم من العدو، أو زلزلة الأرض من تحت أقدامه أو ترميل نسائه وتيتيم أطفاله وجعل أمواله غنائم لهم، ولم يقرروا النبش في كتبهم الدينية القديمة عن النظريات العلمية التي اهتدى إليها الغرب بمهاراته وأبحاثه حتى لا يعترفوا له بالقوة والتفوق، ولم يقرروا بشكل انتحاري المغامرة بخوض حرب عصابات طويلة المدى ضد العدو حاملين وهما مزمنا بإمكان تركيعه و"مسح العار" والبرهنة على أنهم "الوارثون" وأن العاقبة لهم في النهاية وأن العدو خلق ليخضع لهم ويُسخر في خدمتهم، أي أن البلدين العظيمين لم يتبنيا فلسفة "ولو طارت معزة !".

في البلدان العربية الإسلامية، التي تسمى كذلك لأن "العقل العربي الإسلامي" هو الذي يتولى فيها القيادة والتدبير والتسيير (ولهذا يفرض لغته وحدها وثقافته وحدها وتاريخه وتراثه وحدهما )، في هذه البلدان للهزيمة معنى مغاير، كما للنصر كذلك معنى آخر.
فالهزيمة هي أن يكتسب العرب المسلمون ثقافة العلم والتنوير والصناعة وحقوق الإنسان وفصل السلط ودولة المؤسسات، لأن هذا "تقليد للعدو" الذي هزمهم في معارك سابقة، فخلافا لليابان وألمانيا فكل ما يعدّ من أسباب قوة العدو ينبغي تجنبه لأنه هزيمة مضاعفة و"ركوع وخنوع واستسلام".

والنصر هو أن يبقى العرب على حالهم من التخلف وأن يعيشوا بين الخرائب ولا يجدون معبرا إلى العصر، أن يعيشوا كما عاش أجدادهم تماما سواء في نسق الدولة أو في التقاليد والعادات الاجتماعية أو في أسلوب تدبير شؤون الحكم، أو في الاقتتال الهمجي الذي يعود إلى ما قبل الحضارة، فـ"القيم الأصيلة العريقة" تتضمن كل شيء، وفيها الملاذ والمنقذ والعلاج لكل الأدواء. والحداثة والحرية صناعة غربية، والغرب منحلّ وقبيح، ويمثل الشرّ لأنه يرعى مصالحه المادية، والعرب المسلمون هم الأخيار المعصومون، أنبياء العصر وأطهاره، لا مصالح لهم في أي مكان، ولم يسبق أن هاجموا غيرهم واستعبدوه أيام قوتهم العسكرية، كما أنهم في الدول التي أقاموها في عصرنا هذا لا يضطهدون غيرهم ولا يحتقرونه ولا ينتهكون أبسط حقوقه، وكانوا يعيشون قبل مجيء الغرب في بحبوحة العيش الرغيد والنعمة السابغة، حتى ملوا من المساواة والعدل والحرية، وتعبوا من الاستقرار والرخاء، ولهذا ليس للغرب أي شيء يقدمه لهم، بينما هم حملة رسالة خالدة إلى كل أمم الأرض، هذه الأمم التي إن كانت لا تأخذ ما بين يديّ العرب من حكمة، فذلك يعود إلى أنانيتها وجهالتها وعجرفتها وسوء نيتها فقط.

من خصائص العقل العربي الإسلامي أنه لا يرضى بالهزيمة ولا يتقبلها حتى ولو صارت أمرا بديهيا وواقعا ملموسا لا يرقى إليه شك، حيث يصرّ المهزومون على القول "انتصرنا" في كل مرة، ويخرج قادتهم من تحت الأنفاق التي اختبئوا فيها ليهللوا ويكبروا ويهتفوا بالنصر، فـ"النصر" هو أن يبقوا أحياء، وأن يموت نصفهم فقط من البسطاء والنساء والأطفال، وأن يخرب البلد عن آخره ويعاد إلى العصر الحجري.

قد يحتاج العقل العربي الإسلامي إلى وقت طويل ليدرك معنى النصر ومعنى الهزيمة، ولكن من المؤكد أنه لكي يحقق ذلك لا بدّ له من تغيير أسلوبه في التفكير، وتطليق الكثير من عاداته وقناعاته القديمة، التي لم تعد بمعايير عصرنا إلا فقاعات بلاغية.