حميد المهدوي ـ كل المؤشرات تفيد  أن "المخزن" في المغرب يريد لبنكيران والباكوري قيادة الحكومة المغربية المقبلة، وقد عبر عنها صراحة وزير التجهيز والنقل عزيز الرباح، مؤخرا، حين لم ير مانعا في تشكيل تحالف مع "البام".

ففي وقت يتعشى فيه بنكيران إلى جانب الملك على مائدة واحدة خلال حفل زفاف الأمير "مولاي رشيد"، يمر عدواه حميد شباط، الأمين العام لحزب "الاستقلال" وادريس لشكر، الكاتب الأول لحزب "الاتحاد الاشتراكي" بجحيمين ما بعدهما جحيم.

فقد وصلت الدعاية ضد لشكر حدود اتهامه بالوقوف وراء "قتل" أحمد الزايدي، بعد أن فرضوا عليه عزلة غير مسبوقة، ابتدأت بمنعه من قراءة الرسالة الاتحادية فوق قبر الأخير يوم الجنازة، وتوجت بعقوبة أقسى من خلال حرمانه من دخول بيت الراحل أحمد يوم التأبين، فيما شباط تحول، مؤخرا، أمام أعين بعض المغاربة إلى مجرد "لص" سارق للوحات الفنية، بعد أن تورط في مشهد فظيع وهو "يَقُجُّ" برلماني داخل مؤسسة دستورية، والأقسى بالنسبة إليه، غضبة الملك عليه، بسبب وقوف الأخير على اختلالات بالمدينة العلمية، حسب ما يروج داخل أوساط عديدة، بعد أن ظلت مدينة فاس نموذجا في التسيير الجماعي الناجح، بحسب دعايات عديدة، وحتى رسمية في بعض الأحيان.

ولعل السؤال الجوهري الآن أمام كل ما تقدم: هل صدفة أن "تسقط" كل هذه المصائب دفعة واحدة فوق رئسي أهم فصيلين سياسيين مغربيين، وُلِدا من رحم الحركة الوطنية، فيما رئيس الحكومة الذي أصبح يشتكي منه الحجر وليس فقط البشر، يحظى بالجلوس قرب الملك على مائدة عشاء واحدة ؟

هل صدفة أن تنفجر مشاهد رعب في المعقل الانتخابي لشباط بحي بنسودة بفاس عشية عيد الأضحى الأخير. ويسب برلماني شباط بكل تلك العبارات النابية قبل أن يتبادلا اللكمات داخل مؤسسة دستورية، وتطاله غضبة ملكية بسبب اختلالات، بل ويتهم بـ"سرقة" اللوحات الفنية؟ هل هذه كلها صُدف؟

ثم لماذا لم تُبعث رسالة ملكية إلى لشكر لتعزيته في وفاة الزايدي كما دأبت الأعراف في مناسبات نظيرة لهذه، خاصة وأنه يروج في الحقل السياسي المغربي أن الملك لا يتدخل في المشاكل الحزبية، كما راج كثيرا خلال توجه حزب "الاستقلال" إلى الملك لحظة رغبته في الانسحاب من الحكومة.

هل يعقل كل تلك "الهالة المخزنية" التي اعطيت لوفاة أحمد الزايدي، بحضور مدير المخابرات الخارجية وأربعة مستشارين للملك للجنازة، وللقارئ الذكي أن يتساءل عن عدد المخبرين ورجال الشرطة بلبساهم المدني الذين حضروا لجنازة، فيها شخصيات بحجم المذكورين؟

والأهم من كل ذلك، لماذا بدا بنكيران مرتاحا عشية تنفيذ الإضراب العام الوطني؟ أي ضمانات كانت بين يديه؟ ومن هي الجهة التي قدمت له هذه الضمانات؟

هل يعقل أن يسكت البلد اقتصاديا ويكون أمام شلل لمدة 24 ساعة، يوم 29 أكتوبر، ولا يظهر أثر للمؤسسة الملكية، في وقت يقول فيه بنكيران الملك هو رئيس الحكومة الفعلي وأنه هو من يحكم المغرب؟

هل يُعقل أن تسمح السلطات بتنفيذ إضراب عام وطني في فترة اقتصادية وسياسية دقيقة، والجميع يعرف سلطة السلطات على معظم رؤساء النقابات وكيف تحركهم كيفما شاءت، ومتى شاءت، بدليل ما جرى خلال غليان الشارع المغربي سنة 2011؟

مشكلة كثير من المتتبعين للشأن السياسي المغربي أنهم لا يريدون أن يؤمنوا أن حزب "الاستقلال" و"الاتحاد الاشتراكي" هما الفصيلين السياسيين اللذين قد يشكلا تهديدا لـ"لمخزن" في أي لحظة، متى تفاقمت الوضعية الاقتصادية بالبلد.

نعم، مشكلة هؤلاء أنهم ينظرون إلى رأسي الحزبين (لشكر وشباط) لا إلى تاريخهما وامتداداتهما وحضورهما في المخيال الجمعي المغربي، علما أن وقفة تأمل قصيرة للتشويه الفكري والإيديولوجي والتنظيمي الذي تعرض له الحزبان كافية لفهم الصدف التي تحدثنا عنها سابقا.

وعندما يُساء للشكر ولشباط  فليس هما المقصودين  بالإساءة  وإنما الحزبين الذين يقودانهما، ولعل إصرار جهات معينة على وضع لشكر وشباط فوق رأسي "الاستقلال" و"الاتحاد الاشتراكي" كان نابعا من اقتناعها بما يتوفر عليه المعنيين من مؤهلات تساعد على تشويه حزب علال الفاسي والمهدي بنبركة.

ومادام كثير من المغاربة لا يرون في الحزبين إلا رأسي شباط ولشكر ويرون في حزب "العدالة والتنمية" حزبا "نظيفا" لا "ملحقة  حزبية" لـ"لمخزن"، بدليل مواقفه من التعامل التجاري مع اسرائيل واشراف الداخلية على الانتخابات، فسيكتب لـ"الفساد والاستبداد" عمر أطول، والأيام بيننا.