مصطفى قطبي

يثير الحديث عن المال العام بالمغرب الكثير من الحساسية، والدهشة، والانفعال، وقد يثير التهكم أيضاً، ذلك أن المال العام يكاد يملأ مساحة مترامية الأطراف، فلا نكاد نضع موطئ قدم دون أن يكون للمال العام موضع، ومع هذا الانتشار يظل في المقابل، قليل من ينصره بقوة الضمير، وبأمانة المسؤولية وهذا القليل من الناس هم الذين يتوغل الخوف بين جوانب أفئدتهم الصافية النقية، ويظلون قليلين مقارنة بمجموعة المنتهكين للمال العام، وهو انتهاك خطير وجسيم، ذلك أن المال العام ملك الجميع لا تحده فترة زمنية، ولا هو مربوط ببقاء أو زوال مسؤول ما، حيث تتوارثه الأجيال جيل بعد جيل في صورة من المسؤولية المتوارثة، التي يحكمها الضمير كمحدد أولي مهم في هذا الجانب، ثم يأتي العرف الاجتماعي الذي لا يقل أهمية عن القانون، سواء الشرعي، أو الوضعي، فالأعراف الاجتماعية تظل أدوات حاكمة، وضابطة لكثير من أفعال الناس في الحياة، ويعقد على دورها الكثير من المهام، ولذلك ترتقي اليوم إلى شيء من التنظيم الحديث، بعد أن توغلت في مفاهيم مؤسسية.

هذه الأهمية التي يشكلها المال العام هي التي تضع له هذه المكانة في وجدان الناس على الرغم من مرور الزمن، وتوالي السنين، ولفترات قريبة كانت توكل مسؤولية المال العام إلى أناس بعينهم يعرف عنهم الصلاح، والاعتدال، والتوافق مع أفراد المجتمع، حيث شكلت أموال الوقف للمساجد، والمدارس، وللأيتام نماذج مهمة لصورة المال العام، وفي المقابل كان كثير من أبناء المجتمع يتحرزون مسؤولية إدارة المال العام، خوفاً من الوقوع في مطب التفريط في هذه المسؤولية، وعدم القيام بالواجب خير قيام.

ومع تطور الدولة الحديثة التي تشعب فيها المال العام، حيث يشمل الكثير من المرافق، ويتداخل في كثير من الممتلكات الخاصة، إن جاز التعبير، تماهت في المقابل هذه المسؤولية، واستسهلها الناس إما لجهل بحقيقة أهمية المال العام، وإما لأن هذه المسؤولية تتصادم مع الطموحات الفردية، ومع ما يرسمه الفرد للوصول إليه، وإما للتداخل بينه وبين المال الخاص في كثير من الجوانب، فإذا كانت خدمة الكهرباء، على سبيل المثال، وهي أحد منافع المال العام، تدفع لها من مالك الخاص، فهناك في المقابل من يقتطع جزءا منها دون مقابل من خلال التلاعب في عداد الكهرباء، وقس على ذلك أمثلة كثيرة.
تؤصل بعض الأمثال الشعبية حقيقة النظرة الموضوعية إلى المال العام، وهي نظرة على قدر كبير من الأهمية، ذلك أنها تستحضر شيوع الإهمال في حقيقة المحافظة على المال العام منذ ذلك الزمن البعيد الذي يؤرخ لميلاد هذه الأمثال الشعبية، ومن هذه الأمثال: ''المال السايب يعلم السرقة''، و''مال عمك ما يهمك''، وغيرها من الألفاظ التي تقزّم من حجم الأهمية التي يمثلها المال العام.

ولعل ذلك مرده إلى أن هذا النوع من المال تحكم العلاقة بينه وبين من يتعامل معه مستوى الأمانة والإخلاص الذي يتحلى بهما الطرف الآخر، هذا قبل الاحتكام إلى القانون الذي يشدد بلا شك في مسالة التعامل مع المال العام، ووجود مثل هذه الأمثال وتربعها في ثقافة المواطن البسيط يعكس حقيقة تاريخ المال العام، وحقيقة مشروعية كموضوع مهم في حياة الناس، وحقيقة بساطة التعامل معه أيضاً كجانب آخر عند الحديث عنه، أو عند وضعه موضع التقييم.

وبغض النظر عن هذه الصورة النمطية المتناسخة منذ ذلك الزمن البعيد فيما يخص التهاون في مسؤولية المال العام، وكيفية النظر إلى أهميته المادية، كمادة متداولة، أو المعنوية كأخلاق حاكمة بين الطرفين، أو التعامل معه على أنه ملك صاحبه في لحظة تبادل المنفعة بين الطرفين، تنحو المسألة إلى المساءلة الذاتية التي تقر بحساب ''مثقال ذرة''، ومعروف هو ضآلة الوزن الذي تمثله ''الذرة''، هذا المخلوق الذي لا يكاد يرى، حيث تدوسه الأقدام لضآلته.
فأيّما عاقل يدرك مستوى المسؤولية في ''مثقال ذرة'' لا شك أنه سوف ينأى بنفسه بعيداً عن أي مظنة من شأنها أن توقعه في هذه المسؤولية التي تقاس بـ ''مثقال ذرة''، ولذلك فهناك الكثيرون من الناس ينأون بأنفسهم عن الوقوع في شباك المال العام، سواء بقصد أو بغير قصد، حتى في أبسط الأمور، ويأتي قسم ''اليمين القانونية'' في الإدارة الحديثة، كأحد الأدوات الضابطة، والمعززة للضمير الحي الموكول عليه الكثير من المهام، ومنها المحافظة على مسؤولية المال العام.

ومنذ عهد قريب أيضاً كانت اليمين تشكل عقبة كأداء في الإقدام عليها، وهناك الكثير من الناس الذين يتنازلون عن حقوقهم مقابل أنهم ينأون بأنفسهم عن قسم اليمين، بخاصة لما تصل القضية إلى منصات المحاكم في ذلك الوقت، بينما يحدث العكس اليوم، حيث لم تعد اليمين القانونية لدى البعض من الحالات رادع لعدم انتهاك حرمة المال العام، حيث غيب دورها، ونظر إليها على أنها أحد الإجراءات الإدارية التي يمكن التغاضي عنها، بينما أتصور أنها لا تفرق عن اليمين الشرعية، حيث يضع المقسم بها يده على المصحف الشريف، وهذا أكبر مسوغ يعطيها أهمية اليمين الشرعية.

جبل الإنسان على حبه لماله، وحرصه عليه، حتى وإن خرج هذا المال عن الملكية الخاصة تظل النظرة إليه من قبل ضعاف النفوس نظرة تتوق إلى امتلاكه، ولو بطرق غير مشروعة، والمال العام يقع ضمن هذه النظرة، حيث أنه لا تحكمه ملكية شخصية، وإن فوضت هذه الشخصية أو تلك في امتلاكه لفترة بحكم المسؤولية، يظل هذا التفويض مؤقتاً وإن طالت مدته، ولأنه يخرج عن حدود الملكية الشخصية فلذلك تجف منابع العناية به من فوض بامتلاكه في فترة إدارته، والمحافظة عليه، على اعتبار أنه يخرج عن مبدأ الربح والخسارة للفرد، فلا ربح دائم منه ليستفيد منه هذا الشخص المفوض إلا بقدر مكوثه في المسؤولية، ولا خسارة قد يتكبدها في المقابل أيضاً إلا بمقدار كف يده عن العبث به.

ولعل هنا مربط الفرس في هذه المسألة، وقضية الأهمية العامة له ''زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون'' هذه تحتاج إلى شخصية كاريزمية لها رؤيتها الخاصة، وينظر إليها وفق هذه النظرة، ولا تخضع للرؤية العامة لدى كافة أبناء المجتمع، كما أن التفريط في المال العام لا يجوز ـ عرفاً ـ أن ينسب إلى كافة أبناء المجتمع، فلكل قاعدة شواذ في كلا الجانبين، ففي المقابل هناك الكثير أيضاً على قدر المسؤولية، وعلى أخلاق عالية من الأمانة، والصدق، بل بالعكس فقد أضافوا مكاسب نوعية في حق المال العام على حساب مصالحهم الخاصة، لإيمانهم بأهمية الدور الذي يلعبه المال العام في خدمة جميع أفراد المجتمع بلا استثناء.
وتخضع مسألة ''من ينصف المال العام'' هنا وفق الوعي العام الذي يسود سلوك الناس في المحافظة عليه، فإن بني المجتمع على احترام المال العام، والمحافظة عليه، فإنه سيكون هناك شبه إجماع لأهمية المال العام، وإن غيب المجتمع هذه الأهمية انعكاساً لتعامله المفرط لحقوق المال العام، فإنه من الصعوبة بمكان استحضار الوعي الجمعي للمحافظة على المال العام في تصرفات كافة الأفراد بلا استثناء، وإعطائها المساحة الكبيرة لأهمية المحافظة عليه، إذن والحالة هذه لا بد من بناء قاعدة متينة في هذا الجانب، وتأصيلها وتقويتها باستمرار من خلال الممارسة العملية التي تشمل حتى استخدام عوامل الردع لمنع الاقتراب من المال العام، كاستخدام العقاب الجزائي، وذلك للوصول إلى ترسيخ هذه الأهمية.

فعلى سبيل المثال كيف تطلب من فرد أن يحافظ على المال العام، وهو في المقابل عايش والده، مثلا، يستخدم سيارة المؤسسة التي يعمل فيها لمصالحه الخاصة، ويوظفها توظيفاً خاطئاً غير ما وجدت له، وهو الاستخدام الوظيفي فقط، وبالتالي يفترض أن تكون خارج التغطية، فيما بعد الدوام الرسمي؟
أو كيف يمكن أن تترسخ أهمية المال العام في نفسية تلميذ في الصفوف الأولى والمتوسطة، وفي المقابل يأتي أستاذه ليطلب منه أن ينسخ لعدد التلاميذ الصف مادة معينة وذلك عن طريق والده ''الموظف'' الذي يتولى هذه المهمة عنده في مكتب المؤسسة التي يعمل فيها؟
أو كيف تتولد أهمية المال العام حيث ترى مسؤولا يرفض تذكرة سفر حجزت له على مقاعد الدرجة السياحية، وهو يريدها في درجة رجال الأعمال، أو موظف صغير يستطيع أن ينجز لك معاملة تعرقلت عند مسؤوله الأكبر، لسبب أو لآخر؟
هذه أمثلة بسيطة لمسألة ترسيخ القناعات في مسألة المحافظة على المال العام، وفي واقع الناس من الأمثلة ما تشيب له الولدان، فهل نقرأ فاتحة الكتاب على المال العام في ضمائر كثير من الناس؟

ويسجل الواقع الذي نعيشه الكثير من السلوكيات التي تحاول أن تستفرد بالمال العام، وتمتصه حتى الثمالة، كما يقال، وهذه السلوكيات تستحضر ذات المثل الشعبي: ''مال عمك ما يهمك''، أو ''المال السايب يعلم السرقة'' بالإضافة إلى تغلغل شعور غريب لدى البعض وهو أن حرمان الفرد من التمتع بخدمة معينة يريد تعويضها من خلال التحايل على المال العام، في صورة مبتذلة تعكس ضعفاً واضحاً لشخصية هذا الفرد الذي يفكر بمثل هذه التفكير البسيط، لا والبعض يقول لك: ''هذا مال الحكومة''، وكأن الحكومة فرد ظالم يجب القصاص منه، أو معاقبته على الذنوب التي يقترفها في حق الآخرين.

لاشك أن هناك إشكالية في مسألة فهم المال العام بالمغرب، وهذه الإشكالية هي التي تقود إلى مختلف السلوكيات الشاذة في التعامل معه، وإنزاله هذا الموضع الغريب، وكأنه بلا كيان، أو حدود، تعمل على صد المتطاولين عليه في كل زمان، ومكان، وعند كل الشعوب بلا استثناء.

إذن والحالة هكذا يبقى تطبيق نصوص القانون هي الفاعل الحقيقي في المحافظة على المال العام، فهي المخولة من قبل القضاء، ومن قبل المجتمع أيضاً لكي تنتصر للمال العام، وتعيد له حقوقه المهدورة، وحدوده المنتهكة، وذلك من خلال قدرتها الحاكمة في إيصال المنتهكين للمال العام إلى منصة المحاكم، وأخذ الحق منهم، في صورة من العدالة دون مداهنة لا لقبيلة، أو أسرة، أو منصب.

الجميع يحتكم إلى نصوص القانون بلا استثناء لا مجاملة طرف على طرف آخر، وبصورة تعكس التكافؤ في إعطاء المنازلة، والحجج، والرضى بما تؤول إليه الأحكام فيما بعد، عندها يتحول القانون إلى سلوك ممارس، والوصول الى هذا السلوك غاية تصبح في حكم الوجوب.
نعم قد تحتاج هذه الثقافة إلى وقت طويل، وقد تمتد القناعة حتى تترسخ إلى أجيال لتؤتي ثمارها، ولكن أي مجتمع ينشد الحرية، والتوازن في عواطفه وسلوكه لا بد أولاً أن يحقق مبدأ التعامل الصادق، والعادل للمال العام.
هل هذه مسؤولية فردية، أو أسرية، أو مجتمعية، أو مؤسسية...؟

في تصوري كل القوى مطالبة بتحمل هذه المسؤولية، ولا بد أن يصل أبناء المجتمع المغربي إلى هذه الغاية في يوم من الأيام، قد يكون في البداية بقوة القانون، لكن بعد ردح من الزمن سيتحول هذا الردع إلى ثقافة يقرّها كل فرد في المجتمع، وهي أن المال العام مال الجميع، وهو مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية مؤسسة، أو مجموعة من الناس تجمعهم مصلحة معينة، تظل محكومة لفترة معينة، فهذا الوجوب مسؤول عن ترسيخه جميع المؤسسات الرسمية منها، أو مؤسسات المجتمع المدني، أو علماء الدين، أو رجال القانون، أو قادة الرأي، وهذا مطلب لا يمكن الرجوع عنه.