لا يسع المتتبع للأزمات المضمرة والمعلنة التي تنشب داخل البيت الحكومي بين الفينة والأخرى ،بسبب إقدام بعض الوزراء على اتخاذ تدابير وإجراءات ،وإعطاء تصريحات بشكل منفرد ،دون تفويض ،أو تنسيق ،أو تشاور مع رئيس الحكومة ،الذي تشمل سلطته عمل جميع الوزراء، وذلك بنص الوثيقة الدستورية(ف:89)، ولعل أخر هذه الأزمات التي خرجت إلى العلن ،هي انتقاد رئيس الحكومة لرسالة بعث بها وزيره في المالية، - دون إذن ،أو تشاور مع رئيس الحكومة- جوابا على استفسار من رئيسي فريقي الأصالة والمعاصرة ،والاتحاد الاشتراكي،"اقترح فيها بوسعيد ،أو بالأحرى "أفتى" بإمكانية إجراء مبارة واحدة يشارك فيها جميع الأساتذة المتدربين ،و من ثم تشغيلهم دفعة واحدة ،شريطة إصدار مرسوم بذلك". رئيس الحكومة اعتبر تصرف وزيره في المالية تجاوز لسلطته ،وعزفا منفردا يشوش على العمل الحكومي ،الذي يقوده رئيس اسمه عبد الإله بنكيران ،وهذا الوزير نفسه هو من دبر "بليل"مع زميله ،وزير الفلاحة إبعاد تدبير صندوق التنمية القروية عن نفوذ وسلطة رئيس الحكومة ،وهو ما أثار في إبانه استنكار رئيس الحكومة ،وإعلانه عدم علمه بما دبرا الوزيرين ،ونظير هذه الأزمة حدثت مع وزير التربية الوطنية..وبالطبع فإن رئيس الحكومة يكتفي بالاستنكار،ويشنع على الوزراء الذين يتطاولون على صلاحياته وسلطته ،رغم أن الدستور يعطيه إمكانيات أخرى ..-
لا يسع المتتبع لهذه الأزمات إلا أن يتساءل:هل نحن إزاء حكومة واحدة، أم حكومات متعددة؟! .لاشك أن الدستور يرجح الجواب التالي:" بل نحن أمام حكومة واحدة،يرأسها رئيس واحد ،هو -غالبا- أمين عام حزب سياسي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب،(ف47)، والوزراء يعملون تحت سلطة رئيس الحكومة، ويمكن" لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر،من أعضاء الحكومة ، و"تترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك" (ف47) .وهذا الحزب في الحكومة الحالية ،هو حزب العدالة والتنمية ،وأمينه العام هو رئيس الحكومة..هكذا يحكي الدستور، وهكذا سيجيب طالب السنة أولى حقوق، إذا سئل من لدن أستاذه هذا السؤال الاستنكاري، معززا جوابه بفصول الدستور الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.لكن السياسي والمثقف والأكاديمي "سيحلل" جوابه ،ولا يكتفي بتلاوة مواد الدستور،سينبهك إلى أن ثمة فرق يضيق وقد يتسع حتى تنقطع الصلة بين ما هو مدون في الوثيقة المرجعية ،وبين الممارسة .والتعويل يكون – دائما - على الممارسة ،لأن النصوص مهما كانت واضحة ومحكمة ،ليست أكثر من تعبير عن النوايا..وحدها الممارسة والتطبيق هما ما يعطي لها مضمونها الحقيقي ، وبناء عليه ، فإنه مهما بدا دستور 2011 واضحا ،فيما يتصل بسلطة رئيس الحكومة إزاء وزرائه ،فإنه لا ينعكس بالضرورة في الممارسة والتطبيق ،بدليل أن هذا التجاذب والتنافر بين رئيس الحكومة ووزرائه يعاكس مقتضيات الدستور،والمسؤولية تقع على عاتقهم جميعا وبتفاوت ،فلا الوزراء ينبغي أن يتصرفوا بمنأى عن تعليمات رئيسهم ،ولارئيس الحكومة ينبغي أن يسكت عن تجاوزات وزرائه ، ويتنازل عن سلطاته ،إذ الكل ملزم بممارسة صلاحياته وألا يتعداها إلى صلاحيات غيره ،وإلا عد مخلا بمقتضيات الدستور،وفي المثال الذي نحن بصدد يتحمل رئيس الحكومة القسط الأوفر من المسؤولية ،ولا يشفع له مجرد التعبير عن استنكاره لتجاوزات وزرائه وسطوهم على صلاحياته ،لأن الدستور منحه إمكانيات "لمعاقبة" وزرائه ،الذين يتصرفون خارج "إستراتيجيته" ، وعدم تفعيل هذه الإمكانيات الدستورية يسأل عنها وحده ،بغض النظر عما يمكن أن يتذرع به من "إكراهات" ، لأن الدستور وضع ليطبق ،وليبني دولة ديمقراطية، قائمة على فصل السلط الثلاث ،وفي مقدمتها السلطة التنفيذية ،التي يعتبر السيد بنكيران رئيسها بمقتضى الدستور..وأي تأويل أخر سيلقي بنا خارج الدستور!