المشاركة في الانتخابات هي الأصل؛ فلا تعبير أرقى حداثَةً ونُضجًا، عن الحالة المدنية والحضارية لأمة، سوى مؤسسات منتخبة تعبر عن إرادة هذه الأمة. لكن المشاركة قد تصير تزكية للفساد والإستبداد ومساندة للسلطة في اضطهاد الشعب والاستمرار في التنكيل بحقوقه، إذا لم تحصن هذه المشاركة بشروط قانونية ودستورية وسياسية.

شخصيا، أحترم رأي المدافعين عن المشاركة، وبيننا زملاء في هيئة التحرير يؤيدون هذا الموقف وأقدر تقديرهم السياسي، والموقع سيظل منبرا لنشر آراء المشاركين والمقاطعين، لكن هذا لا يمنع من إبداء رأي شخصي في الموضوع يلزمني لوحدي، عبارة عن محاولة لإقناع  الإخوة المناضلين في فيدرالية اليسار والمواطنين الراغبين في التصويت بأنه لا جدوى من المشاركة على الأقل في الوقت الحالي، لعدة أسباب نجملها في ما يلي:

أولا، الدستور، وهو أسمى وثيقة وتعبير عن إرادة الأمة، والذي هو مؤطر للحياة السياسية والمؤسساتية والانتخابية..هو دستور لا يعكس إرادة الشعب ولا سلطته وإنما سلطة الفرد، الذي هو الملك، فكيف نرجو خيرا من منتخبين لتدبير شؤوننا في ظل دستور يعطي كل السلطة للمعينين من طرف الملك؟

ثانيا، لا يمكن أن نرجو خيرا من انتخابات، والأجواء السياسية التي سبقتها لا تبشر بخير، حيث لا زالت أحزاب ممنوعة من التنظيم، و لازال العديد من المعتقلين السياسيين يقبعون في سجون المملكة، بينهم من أثبتنا بالوثائق والأدلة أن اعتقالهم مجرد اعتقال تعسفي ظالم، دون أن يتحرك ولا مسؤول في البلد في عناد يستعصي على الوصف والتوصيف، فأي خير يرجى من انتخابات وسط نظام سياسي يعتقل الناس ظلما وعدوانا؟

ثالثا، لا يُمكن الرهان على انتخابات، والعديد من وجوه الفساد والإفساد، الذين أدانتهم العديد من التقارير الحقوقية، بالوثاق والأدلة يتصدرون اللوائح الانتخابية، بينهم مدانون بالسجن، فأي خير يُرجى من انتخابات مرشحها سرق أربعين هكتارا من أراضي الجموع وتحايل على وزارة الفلاحة للسطو على ازيد من 50 مليون في سيدي سليمان وسيدي يحيى الغرب، ومرشح آخر متهم بنهب الملايير في أصيلا بحسب أكثر من مصدر حقوقي، فيما مرشح آخر مدان بأكثر من ملف قبل أن يتوارى عن الأنظار في كندا ليعود وكيلا على لائحة، ومرشحة أخرى متهمة بنهب الملايير من صفقات الأدوية، بل والأخطر متهمة بالمساهمة في "قتل" المواطنين في الدار البيضاء من خلال تقديمها لتراخيص بناء غير قانونية، كما متهمة بقتل المواطنين من خلال لقاح "أنفلوانزا الخنازير"...

رابعا، كيف يُرجى خيرا من انتخابات تؤطرها سلطة انتقائية لا تحترم مبدأ المساواة أمام القانون، وهي وزارة الداخلية، ولنا في متابعة موقع "بديل" خير دليل على ذلك، ففي قضية كريم لشقر، كتب عن الموضوع عشرات المواقع والجرائد الإلكترونية ولكن المديرية العامة للأمن الوطني، التي تقع تحت إشراف وزارة الداخلية، المشرفة على الانتخابات، لم تستهدف إلا كاتب هذه السطور، علما أننا لم نقم سوى بواجبنا المهني في نقل خبر عن مصادر رسمية بينها الوكيل العام السابق لدى استئنافية الحسيمة، وهي نفس الفضيحة التي تكررت في متابعة مكناس، حين استهدفنا لوحدنا والي الجهة، التابع لوزارة الداخلية، علما أننا لم نقم سوى بنقل خبر عن مواقع إلكترونية عديدة نشرت الخبر قبلنا بيوم وبلغة عنيفة في حين جاءت لغتنا مهنية وخبرية. نعم كيف يُرجى خيرا من انتخابات تؤطرها سلطة انتقائية تعزل رؤساء جماعات بسبب أفعال بسيطة وتتستر على أفعال خطيرة لرؤساء جماعات، بينهم من قام مقام ممثل الملك وأصبح يتطاول على صلاحياته، ومع ذلك لم يطله أي عقاب، بل وحظي مهرجانه بالرعاية الملكية !

خامسا، والأهم من كل ما سبق: كيف يُرجى خيرا من انتخابات ورئيس الحكومة يقول للمغاربة وللعالم الملك هو من يحكم في المغرب ! هل يستطيع أي واحد من السادة المحترمين نبيلة منيب، عبد الرحمان بنعمرو، عبد السلام العزيز أو غيرهم أن يكذب هذا التصريح الذي تزكيه مقتضيات الدستور المغربي والخطب الملكية والواقع السياسي المُعاش؟ من هو هذا الزعيم السياسي في تاريخ المغرب الذي طالب علانية، وبالأسماء، وليس بالمرموز، برحيل الهمة والماجيدي والياس العماري، صراحة، بل والأجرأ أنه اتهم الرجل الثاني "فعليا" في الدولة المغربية بعد الملك بتدبير انقلابات داخل عمادات بعض المدن بعد انتخابات 2009، وبإدخال مسؤول حزبي إلى الحبس، وفي الأخير ماذا كانت نهاية هذا الزعيم، اضطر إلى التخلص من أبرز أبنائه البررة الداعمين لتجربته الحكومية، عبد العزيز أفتاتي، بل وعجز عن تأمين نشاط حزبي لشبيبته في طنجة، وهو رئيس حكومة، ياحسرة، فكيف يتأتى اليوم لمغربي أن يصدق أنه بإمكان منتخب ما حتى ولو كان المهدي بنبركة أو عبد السلام ياسين، رحمهما الله، أن يقاوم الفساد ويحقق التنمية، في ظل بنية سياسية ودستورية، تعطي الكلمة في آخر المطاف لأطر الدولة العميقة.

وعلينا أن نفهم جيدا، أن النظام السياسي المغربي من سماته الإيجابية أنه حين يرى "العين حمرة" يتنازل أو يناور، المهم يتفاعل، فحين انتفض الشعب سنة 1965، أفرج عن الديوري وبنجلون والفقيه البصري وغيرهم، وعندما نجا من انقلابي 71 و72، أطلق شعارات "السلم الإجتماعي" و"المسلسل الديمقراطي" وأصدر القانون المنظم للإنتخابات الجماعية... وعندما جاء اضراب 1990 بفاس، وشعر بخطورة اليساريين مد يده خلسة للإسلاميين، وعبد لهم الطريق نحو حزب الخطيب ودعا إلى تشكيل حكومة التناوب بزعامة الإستقلالي امحمد بوستة، الذي رفض سنة 1993 بسبب تواجد ادريس البصري فيها، وحين صدر التقرير القاتم للبنك الدولي سنة 1995، أعطى إشارة لدخول الإسلاميين إلى الحياة البرلمانية وأنشأ غرفة ثانية، ودعا اليوسفي إلى تشكيل ما سميت بحكومة التوافق أو التناوب، وعندما صدمته أرقام المشاركة في انتخابات 2007، سارع إلى تشكيل حزب "البام" لقطع الطريق على "الإسلاميين"، وحين أرعبته احتجاجات الشارع ضد العفو على البيدوفيل الإسباني، سارع إلى إصدار ثلاثة بيانات وعانق الملك آهالي الأطفال الضحايا، بمعنى أن النظام المغربي أمام الأزمات يتحرك يمكن أن يصنع حزبا، أن يحل حزبا، وقد يتنازل، وربما يقدم حلولا فعلية للواقع و قد يناور فقط، المهم في آخر المطاف يتفاعل كما سلف الذكر، فكيف لأزمة مثل المقاطعة أن تتركه مكتوف الأيدي، وهل مع المشاركة سيفكر في التنازل، إنها تقنعه بأن الشعب راض على ما يجري، وعلى سياسته، وعبرها يسوق لنفسه في الخارج لينال الرضى الدولي الذي عبره يتمادى في سياسته اللاشعبية ضد الشعب، خاصة حين يعزل قاضي فقط بسبب رأي أو تصريح ويتستر على قاضي في الدار البيضاء بنى حكمه على محضري جلسة أحدهما مزور والآخر أصلي، وعلى قاضي في طنجة يشيد بشهادة شاهد ويستند عليها في حكمه في حين ينفي الشاهد أن يكون قد شهد أصلا !

القول بأن "سياسة الكرسي الفارغ سياسة لاطائل منها وبأن "اللي قال العصيدة باردة يدير يدو فيها" و"ضرورة قطع الطريق على المفسدين" مجرد أقاويل لا قيمة لها، بل هي فقط تبريرات يصنعها الراغبون في المشاركة لمواجهة حجج الرافضين لهذه المشاركة.

إن أكبر تعبير عن قوة ونجاعة المقاطعة هي الحملة التي تقودها الدولة من أجل المشاركة، إنها تخسر أموالا طائلة في سبيل ذلك، وتعبئ فنانين وسلطات وشباب وجمعيات من أجل حث المواطنين على المشاركة، وهي لا تفعل ذلك بحكم واجبها الوطني ومسؤوليتها الإدارية،  بل فقط لأنها تدرك مدى خطورة أن يقاطع المواطنون الانتخابات على موقعها في الداخل والخارج.

في السياسة كما في كل مناحي الحياة عموما حين تُعيي الحيل أحدهم لتغيير واقع أو الوصول إلى هدف، فإنه يجرب جميع الإختيارات ويتقمص جميع الأدوار، بعد أن تخار قواه كليا ويصاب بالإحباط ويقتنع باستحالة الوصول إلى مشروعه وفقا لما سطره، وهنا قد يتبنى أسوء المواقف، وطبيعي سيجد ما يبرر به موقفه، لكن لا يستطيع إقناع قواعده بأن "هاذ شي للي عطا الله" وبأن يصارحهم بفشله في الإنخراط وسط الشعب والتغلغل داخله وغياب رؤية نضالية لديه للانغراس وسط الجماهير الشعبية، والسؤال اليوم مع الإخوة في الفيدرالية، هل من فشل في بناء ذراع نقابي وحقوقي وإعلامي يمكنه أن ينجح في مقاومة "حيثان الفساد" حتى إن كُتب له النجاح أو "الإنجاح"، ولنا في فشل اليوسفي وبنكيران، بأذرعهم النقابية والحقوقية والإعلامية، عبرة لمن لا يعتبر؟ ثم هل من يخاف من مجرد تصريح ضد فؤاد عالي الهمة ويطلب حذفه يمكن أن يعول عليه في مواجهة تلك الحيثان وتغيير المغرب؟