كلما ارتفعت وتيرة العدوان الصهيوني على فلسطين ومقدساتها إلا وتتعالى الأصوات بضرورة التضامن معها، فنشهد بعد ذلك موجة من الاحتجاجات تتصاعد في عدد من الأقطار العربية والإسلامية وبعض العواصم العالمية، لكنها ما تلبث قليلا حتى تخبو وتنطفئ شرارتها لتترك الشعب الفلسطيني وحيدا في مواجهته للكيان الصهيوني ومن يدعمه. 


هذا السيناريو الذي يتكرر بشكل دائم هو ما يشجع البعض على التشكيك بجدوى تلك المسيرات والفعاليات التضامنية عموما، التي لم توقف حربا أو تصد عدوانا، فهي في نظرهم مجرد مجهود لا طائل منه، لأن الحناجر وإن بَحّت عاجزة على ردع الآلة الإرهابية الصهيونية.
من هذا المنطلق فإن أي شكل احتجاجي يروم مؤازرة الفلسطينيين لا يحظى عندهم بالمعارضة فقط بل ويواجه بقدر من التهكم وحالة من الاستخفاف الشديد، سواء من طرف اليائسين من قدرتهم على إحداث أي خرق في معادلة الصراع، أو من أولئك الذين لا يحسون بالانتماء إلى القضية ويصرفون مواقفهم تجاهها بهذا الأسلوب التبخيسي الرخيص.
الواقع أننا لا نفهم مواقفهم تلك، فهم يتطرفون في توقعاتهم فإما أن يرفعوها إلى عنان السماء أو ينزلوها إلى الحضيض، فإما أن تفضي بضع مسيرات ووقفات إلى وقف العدوان جملة أو الانسحاب التام من الضفة أو لم لا تحرير المسجد الأقصى وإلا فهي عبثية ومضيعة للوقت.
ندرك أن ضريبة التحرر غالية وأن تحقيق إنجاز حقيقي على الأرض يتطلب مجهودات وتضحيات هائلة، وحسبنا تجارب الشعوب المقاومة تاريخيا، وهذا ما ينبغي أن يفهمه هؤلاء أيضا، أي أننا نعلم مسبقا أن الفعاليات التضامنية لن تحسم الصراع، غير أنها مع ذلك لها أدوار لا يستهان بها، حيث أن أي صراع خصوصا إذا كان بحجم القضية الفلسطينية لا يعتمد على مستوى وحيد هو الحسم العسكري ويلزمه إسناد من دوائر أخرى وإلا فإنه يضعف ذاته على المدى البعيد.
في هذا الإطار فإننا نرى أن الكيان الصهيوني لا يكتفي بما يملكه من قوة ويصر على فتح واجهات أخرى لدعم خياراته، لا سيما فيما يتعلق بمعركة كسب الرأي العام الدولي وحتى العربي والإسلامي، ويستنفر في سبيل ذلك كل أجهزته وكل الوسائل من أجل ترويج روايته والعمل في المقابل على مهاجمة كل من يعاديها ويسعى لمحاصرته حتى لو كان أكاديميا محايدا.
أما نحن فما زال بعضنا يختزل القضية في الاحتكاك المباشر مع الصهاينة ويقدم استقالته طواعية من الإسهام بأي شيء نصرة لها بل ويضن بمتابعة مأساة الشعب الفلسطيني والتصدق ولو بالحد الأدنى من مشاعره في سبيلها، وذلك بحجة عجزه عن إيقاف دموية الاحتلال الصهيوني غافلا عن وسائل في متناول اليد بإمكانها التخفيف من وطأة التغول الصهيوني في المنطقة.
سلبيتنا تلك هي التي تفاقم الأوضاع ونحسب أن تجرؤ الصهاينة غير المسبوق على المسجد الأقصى مع ما يحمله من قداسة ورمزية عند الأمة العربية والإسلامية سببها الانشغال عنه والتراخي عن دعمه، وما يزكي هذا المعطى شرعنة النظام الرسمي العربي ممثلا في النظام الأردني لانتهاك قدسية الأقصى من طرف المتطرفين اليهود، فلو شهدت المنطقة غليانا شعبيا كما كان الحال عليه في سنوات خلت لما تجرأ من تجرأ على هذه الخطوة الخطيرة.
معلوم أيضا أنه كلما اشتدت حدة المسيرات والفعاليات التضامنية وبلغ الاحتقان ذروته، كلما اضطرت الأنظمة إلى الانحناء أمام العاصفة الجماهيرية والاستجابة الجزئية واللحظية لمطالب شعوبها بتخفيض مستويات تواطئها، ولا تستأنف مشاريعها التطبيعية إلا في فترات السكون الشعبي.
المشكلة حقيقة في موسمية الاحتجاجات وليس في أصل تنظيمها، فكثير من المعارك التضامنية التي تفشل يعود السبب فيها إلى قصر نفس بعض من يخوضها، والذين لا يتحركون إلا في لحظات الاستفزاز الحاد،وأيضا إلى عدم استثمارهم الجيد لهاته الأشكال النضالية.
على الرغم من ذلك يظل أي حراك رغم قصوره ضروريا، لأن الدعم المعنوي الذي يضخه في نفوس الفلسطينيين، والذي لا يطلبون غيره من الشعوب العربية والإسلامية، يجعلهم يحسون باحتضان الأمة لهم وهم في معمعان المواجهة مع الاستكبار الصهيوني والعالمي.
لذلك فإن المشاركة في أية وقفة أو مسيرة أفضل قطعا من القعود والتنظير العقيم، إذ لو تم استحضار هذه النية فقط لَكَفَتها أهمية، لا سيما أن الصهاينة اليوم باتوا يبثون مشاعر الإحباط في صفوف الفلسطينيين بزعمهم أن العرب حكاما وشعوبا قد تغيرت نظرتهم لجوهر الصراع.