اعتذرت المملكة المغربية رسميا عن تنظيم القمة العربية في ظل بروز مؤشرات عدة تدل على أن هناك تحول مرتقب في السياسة الخارجية للملكة من ضمنها تعيين ناصر بوريطة وزيرا منتدبا في الخارجية بشكل فجائي، وسفر المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة إلى روسيا الذي طرح أكثر من سؤال حول توقيته وخلفيته وأبعاده وترتيباته الدبلوماسية، وحديث وزير الخارجية صلاح الدين مزوار للصحافة، عن ضرورة عقد قمة عربية خاصة بالوضع في سورية، وعن أهمية الحل السياسي للأزمة السورية، وحركة التعيينات الجديدة في صفوف السفراء..الخ

من بين المبررات التي استندت عليها المملكة في بلاغ وزارة الخارجية المغربية لإرجاء تنظيم هذه القمة التي كان من المزمع عقدها يومي 7و 8 ابريل المقبل عوض مارس كما تنص على ذلك مقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية ونظامها الداخلي، ورد أن الظروف لا تسمح بعقد قمة ناجحة، وأن هناك تحديات تواجه العالم العربي تستوجب أجوبة حاسمة، وغيرهما من المبررات التي تبدو منطقية إذا ما استحضرنا واقع الأمة العربية!!!!!

هل توجد المملكة المغربية خارج هذه الظروف والتحديات؟ هل شرعنة الانقلاب على الشرعية الديمقراطية في مصر من خلال الاعتراف بحكم العسكر وإضفاء الشرعية على الجنرال السيسي الذي وجهت له الدعوة لزيارة المملكة المغربية استنادا لما نشرته الصحافة لا تزكي هذه الظروف؟ هل المشاركة المغربية في اليمن تخدم الأمن والاستقرار في العالم العربي باستحضار المبادئ المؤسسة لجامعة الدول العربية؟

باستثناء الجهد الدبلوماسي المغربي في الموضوع الليبي، بالنظر إلى حساسية الوضع الأمني وتداعياته على دول المحيط المغاربي ومن ضمنهم المغرب بكل تأكيد، فمواقف الدولة المغربية مما حدث في مصر واليمن وسورية و لبنان التي كال فيها بمكيالين في تعاطيه الدبلوماسي مع التفجيرات التي هزت بيروت وضاحيتها الجنوبية، لم تكن متأنية وتتعارض في جزء منها مع ما جاء في بلاغ الخارجية المغربية من كون العالم العربي يعيش تحديات وأوضاع صعبة تستوجب أجوبة حاسمة.

من جانب آخر، ورد في بلاغ وزارة الخارجية المغربية أن المغرب اتخذ قرار إرجائه عقد القمة العربية طبقا لمقتضيات الميثاق، غير أن هذا البلاغ لا يحيل على النص الذي خول للدولة حق التراجع عن تنظيم القمة الذي أكده نائب الأمين العام للجامعة العربية بنحلي في تصريحاته الصحفية، لا سيما، وأن ميثاق الجامعة العربية ونظامها الداخلي لا يشيران في أي بند منهما إلى قضية الإرجاء سواء تعلق الأمر بالمادتين 10 و 11 من ميثاق الجامعة أو بالمادة 5 من النظام الداخلي لها، إلا إذا كان هناك ملحق إضافي يتطرق إلى هذا الأمر أو كانت هناك توصية للجامعة في هذا الإطار!!

في كل الأحوال، يبقى القرار المغربي قرارا سياديا يمكن أن تقف وراءه اعتبارات أخرى فضل المغرب عدم الخوض فيها لاعتبارات سيادية ترتبط بأهداف سياسته الخارجية أو بمصالحه الاقتصادية أو بأهداف آمنه القومي، مادام أن الأصل في العمل الدبلوماسي هو تحقيق أهداف السياسة الخارجية وحماية الأمن القومي للبلاد.

الوضع العربي المأزوم ليس وليد اليوم، بل هو موروث عن النكبة العربية التي أعقبت تأسيس جامعة الدول العربية، والسمة الأساسية التي تطبع النظام القومي العربي خلال هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمة، هي الفوضى الهدامة والتخبط الدائم، فهو نظام منحوس لا يخرج من أزمة حتى يدخل في أزمة أخرى.

العرب في آخر ترتيب الدول في سلم التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومشكلاتهم ونكساتهم وأزماتهم لا ترتبط بمؤسسة جامعة الدول العربية، بل ترتبط ببؤس واستبداد وتخلف النظام القومي العربي الذي يعيش لحظة انهيار، وهو ما يعني عمليا السقوط الكلي لمنظومة القواعد والقيم الحاكمة واندثار للإمكانات واختفاء الحد الأدنى من العمل المشترك.

لقد خرج العرب خلال العقود الأخيرة حسب تقديرات الخبراء والمحللين بخسارة كبرى للكثير من المواقع وضيعوا الكثير من الفرص تم استفاقوا ليجدون أنفسهم على أعتاب القرن 21 في مراتب متأخرة من حيث المؤشرات التنموية الحيوية في الوقت الذي لم تحل فيه قضاياهم المصيرية.

ينامون إلى أن يستفيقوا على وقع انفجار الأزمات مثل كابوس الحادي عشر من سبتمبر 2001 الذي لا زلنا إلى حدود اليوم نعيش تبعاته على مستوى السياسة الدولية، وكابوس اجتياح العراق للكويت وما رافق ذلك من فشل عربي دريع في حل هذه الأزمة الكاشفة لعجز العرب الدائم في التعامل مع مشاكلهم، وهي الأزمة التي عرفت القوى الأجنبية المتربصة بأمن واستقرار العرب كيف تدخل على خطها وتستغلها لزرع الطائفية وخلق الفوضى الهدامة والانقسام الديني وتوفير البيئة الحاضنة للتنظيمات الإرهابية المتطرفة مثل القاعدة وداعش وأخواتهما كصناعة مخابراتية دولية.

الحل في تقديري الشخصي المتواضع للخروج من حالة التشرذم والضياع العربي يكمن في دمقرطة النظام العربي، أو القطع مع أنظمته الفاسدة والمستبدة والمتسلطة، وهذا الخيار يظل صعبا، وقد رأينا كيف قاومت أنظمة البترودولار البائسة والغارقة في الاستبداد والتسلط والتخلف العميق ولا زالت تقاوم إلى حدود اليوم أي محاولة لتحرر الشعوب العربية والمغاربية من التخلف والرجعية والاستبداد مثلما حدث في مصر من خلال الدعم المفضوح للعسكر بملايير الدولارات وفي تونس بدرجة أقل وبأسلوب مختلف من خلال دعم رموز المرحلة البنعلية والدفع في اتجاه عودتهم إلى الحكم.

إصلاح النظام القومي العربي ينبغي أن يوازيه إصلاحات على مستوى السياسات الوطنية من خلال توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز دور المجتمع المدني وإطلاق الحريات المدنية واحترام الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق فإن الدولة المغربية التي جعلت بموجب دستور فاتح يوليوز 2011 من الخيار الديمقراطي احد ثوابت المملكة مطالبة أن تتخذ الموقف المناسب في الزمن المناسب قبل أن تجد نفسه ضحية مصالحها الضيقة في العلاقة بأنظمة رجعية تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة لحكم شعوبها ومآلها الطبيعي هو الرحيل إن عاجلا أو آجلا وهذه حتمية التاريخ المتحرك الذي يرفض الجمود.
باختصار شديد، الخليج ليس عمقا ديمقراطيا للمملكة ولا يمكنه أن يكون حليفا للمغرب مهما استدعت مصالح البلد الاقتصادية ذلك، لأن مفهوم الأمن القومي للبلد أعمق بكثير من اختزاله في مصالح بترودولارية زائلة وربما مشروطة بمواقف وتموقعات ومغامرات غير محسوبة العواقب.

لا شك أن المغرب غير مفصول عن محيطه العربي و المغاربي ولا عن عمقه الإفريقي، لكن من الناحية الجيو استراتيجية، فهو مطالب بإعادة النظر جذريا في علاقته بجزء من محيطه العربي، ولا سيما دول الخليج التي تبقى لها مسؤولية تاريخية جسيمة في حالة التردي التي آل إليها الوضع العربي خلال السنوات الأخيرة، بحكم طغيان الجانب السياسي والأمني في تدبير أمراء وملوك هذه الدولة لعلاقاتهم الدولية عن الجانب الاقتصادي الذي يظل رهينة للجانب الأول لأسباب شخصية ترتبط بشخصية الحاكمين وتفكيرهم.