إن ماعرفه عالم الكبار من تجادبات وتموقعات سياسية، وتحالفات وتقاطبات عسكرية بعد الحرب العالمية الثانية، منذ الحرب الباردةإلى حدود الساعة، حكمه، امتلاك أسلحة الدمار الشامل، منطق الردع واستعراض القوى بهدف تجنب نشوب الحرب فيما بينهم، فحرص كلهم على نزع فتيل كل خلاف يمكنه أن يزرع الفتنة بين الأحلاف، وطغى على تعاملهم في هذا الصدد فكر المهادنة والمصالحة وتبادل المصالح فغلب استتباب الأمن والسلام على قاموسها، لا لشيئ إلا لأن ذاكرتهم جميعا ظلت، إلى حد اليوم، محتفظة بآثار الدمار الذي ترتب عن الحربين العالميتين، ولم تتخلص آثار المعاناة الناتجة عنهما.

لكن اليوم ومع حادث سقوط أو إسقاط السوخوي الروسية، تبين أن هذه الذاكرة قد أصابها بعض الضعف والوهن، ولم تعد تتذكر بما فيه الكفاية ما يمكن أن يترتب عن هذا الحادث "غير العادي" إذا ما تعلق الأمر بطائرة دولة عظمى تمتلك حق الفيتو بمجلس الأمن، ورثت قوة ما كان يدعى سابقا الاتحاد السوفياتي عندما كان يشكل أحد قطبي القوى العالمية، لما كانت دول العالم بأسره تتمنع على بعضها بمجرد الانتماء أو الولاء إلى أحد القطبين.

ودعوة حزب الناتو اليوم لاجتماع يضم كبار دبلوماسيي الدول الأعضاء، لخير دليل على أن لهذا الحادث مابعده، ولو أنه كان سيكون بسيطا في حال ماكانت الطائرة المحطمة في ملكية دولة ليست من الكبار، واليد المسقطة لا تنتمي إلى أحلاف الكبار، لذا فعلى الكبار، الآن، أن يعلموا أن لكل حرب كبرى شرارة، وشرارة الحرب العالمية الأولى اشتعلت باغتيال فرانز فرديناند وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية، فحذار أن ينسوا مسؤوليتهم، مع امتلاكهم أسلحة الدمار الشامل، التي هي الحفاظ على أطول فترة للسلم العالمي وليس العكس، كما عليهم أن يعوا أنه لا مجال للمقارنة مابين ما نتج من دمار وخراب مادي ومعنوي بعد حرب السنوات السبع أو حروب الثروة الفرنسية ولا حتى الحرب العالمية الأولى أو الثانية، مع ما ينتظره العالم "لاقدر الله" من دمار للكرة الأرضية والإنسانية بشكل عام في حال نشوب حرب بين هذه الأحلاف الكبرى التي تتوفر على ما لايتقبله العقل من وسائل الدمار والإبادة.