خالد أوباعمر

لم تمض إلا أيام معدودة على احتضان المملكة المغربية لفعاليات المنتدى العالمي لحقوق الإنسان في نسخته الثانية، والذي تميز بمقاطعة أهم الجمعيات الحقوقية الوطنية لأشغاله التي امتدت أربعة أيام، حتى عادت الدولة، من خلال وزارة الداخلية والسلطات التابعة لها إلى أسلوب المنع والتضييق على أنشطة الجمعيات الحقوقية الوطنية الأكثر تأثيرا، في تجاوز بين، لأحكام الدستور الذي أفرد بابا كاملا للحقوق والحريات، ولقانون الحريات العامة، وللمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لاسيما، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، والإعلان المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا.

فبموجب المادة الثانية من الإعلان الأخير، يقع على عاتق كل دولة مسؤولية وواجب رئيسيان في حماية وتعزيز وإعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بعدة طرق منها اتخاذ ما قد يلزم من خطط لتهيئة جميع الأوضاع اللازمة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من الميادين، فضلا عن إتاحة الضمانات القانونية المطلوبة لتمكين جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها، بمفردهم وبالاشتراك مع غيرهم، من التمتع فعلا بجميع هذه الحقوق والحريات.

وتشير الفقرة الثانية من المادة 12 من هذا الإعلان إلى أن الدولة تتخذ جميع التدابير اللازمة التي تكفل لكل شخص حماية السلطات المختصة له، بمفرده وبالاشتراك مع غيره، من أي عنف، أو تهديد، أو انتقام، أو تمييز ضار فعلا أو قانونا، أو ضغط، أو أي إجراء تعسفي آخر نتيجة لممارسته لحقوق التي يتضمنها هذا الإعلان.

لماذا تلجأ الدولة إلى التضييق على أنشطة المنظمات الحقوقية الوطنية؟ لماذا لا تحترم الحقوق القانونية والدستورية المكفولة لهذه المنظمات؟ لماذا تضرب التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان عرض الحائط؟ هل من الحكمة معاملة المنظمات الحقوقية الوطنية بمنطق المنع والتضييق والملاحقة في زمن ما بعد الإنصاف والمصالحة؟ هل من المعقول أن تعود الدولة التي استضافت المنتدى العالمي لحقوق الإنسان إلى وسائل بالية في تعاطيها مع العمل الحقوقي في المغرب؟

إصرار الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية على منع أنشطة المنظمات الحقوقية الوطنية، أو في التضييق عليها، أو قمع وقفاتها الاحتجاجية، أو التهديد بقمعها، في ظل صدور حكم قضائي ضد هذه الوزارة، لفائدة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي لجأت إلى القضاء للدفاع عن مشروعية وشرعية أنشطتها، سلوك يدفع العديد من المراقبين إلى التساؤل عن أسباب وخلفيات هذا الإصرار في التضييق على أنشطة بعض المنظمات الحقوقية؟

عندما تصدر أحكاما قضائية ضد أي جهة كانت في الدولة، بسبب مخالفة القانون، أو بسبب الشطط في استعمال السلطة، أو بسبب تجاوزات الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين لصلاحياتهم، أو بسبب خرق القانون والدستور والعهود الدولية، فالمنطق، يقتضي أن تقوم هذه الجهة بمراجعة تصرفاتها،وإعادة تقييم سلوكها الذي يدفع بالغير إلى جرها أمام القضاء، حتى تقيم الدليل، على أن خرق أجهزتها المكلفة بإنفاذ القوانين للقانون، أو تعسفها في استعمال الحق، أو شططها في استعمال السلطة، كان خطأ عرضيا، وغير مقصودا منه الإساءة للقانون أو لحقوق الغير، عوض التمادي في تكرار نفس الأخطاء وربما بجسامة أكثر.

استمرار وزارة الداخلية في المنع الانتقائي لأنشطة بعض المنظمات الحقوقية الوطنية، بعد صدور حكم قضائي ضدها في الدعوى التي رفعتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فعل، يزكي اتهامات الأصوات الحقوقية التي ترى في قمع الدولة لأنشطتها الحقوقية، قمعا ممنهجا، تقف وراءه أطراف في الدولة لم تعد قادرة على التطبيع مع العمل الحقوقي الذي لا يروقها أو ينسجم مع تصورها ومقاربتها.

في هذه الحالة، فإن سلوك وزارة الداخلية التي يتولى حقيبتها الوزير حصاد، سيضع الحكومة الذي يقودها حزب العدالة والتنمية في وضع حرج أمام المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، لاسيما، وأن وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، سبق له أن عبر عن موقف غير مرضي من تصرفات وزارة الداخلية التي اعتبرها غير شرعية.

كما سيضع الآليات الوطنية لحقوق الإنسان، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، في موقف لا يحسدان عليه، بعد أن بدأت أصوات حقوقية تطعن في مصداقية واستقلالية ونجاعة عمل هذه الآليات، وتتهم الشخصيات التي تتحمل المسؤولية فيها، بالانصياع لتوجيهات ما يسمى بالدولة العميقة، فيما يتعلق بتنزيل حقوق الإنسان وفق المقاربة المخزنية لهذه الحقوق.

من التناقضات العجيبة، والمفارقات الغريبة، أن تحتضن الدولة منتدى عالمي لحقوق الإنسان، شارك في أشغاله أكثر من 7000 مؤتمر ومؤتمرة، وتم الترويج لنجاحه بكل وسائل البروبغندا المتاحة لديها، في الوقت الذي يستمر فيه التضييق الانتقائي على عمل بعض المنظمات الحقوقية الوطنية، ويفتح فيه المجال أمام منظمات أخرى، للاشتغال بكل حرية، وكأننا نعيش في دولتين.دولة تسمح بالعمل الحقوقي، وأخرى تقوم بقمعه !

الدولة التي تمنع أنشطة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والعصبة المغربية لحقوق الإنسان، والرابطة المغربية للمواطنة لحقوق الإنسان، ومركز ابن رشد للدراسات، وجمعية الحرية الآن، وغيرها من المنظمات والجمعيات، هي نفس الدولة، التي تسمح للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ولمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان، وغيرهما من المنظمات والجمعيات، بتنظيم أنشطتهم الحقوقية، حتى وإن كان رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي تمنع أنشطة جمعيته، يشارك في البعض منها، إلى جانب كل من وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، ونائب الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، محمد الصبار، والمندوب الوزاري لحقوق الإنسان، المحجوب الهيبة، بل هناك من الجمعيات من فتحت لها في الآونة الأخيرة فقط، أبواب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وقاعة المرحوم سي إدريس بن زكري، إضافة إلى الدعم للقيام بأنشطتها في أحسن الظروف والأحوال!!

سياسة الكيل بمكيالين في تعاطي الدولة مع العمل الحقوقي ينم من وجهة نظر عدد من الحقوقيين عن وجود سوء نية لدى هذه الأخيرة في التعامل مع أنشطة بعض الجمعيات الحقوقية التي لا تسير على نهجها، ولها حضور وازن وقوي على المستويين الوطني والعالمي، كما هو الشأن بالنسبة للعصبة المغربية لحقوق الإنسان، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي نالت رئيستها السابقة الحقوقية خديجة الرياضي جائزة أممية، لم ينلها إلاّ الكبار أمثال نيلسون منديلا، رغم حملة التبخيس التي تقودها بعض الأطراف الحقوقية الرسمية، للتقليل من قيمة هذه الجائزة المعتبرة دوليا ومن الشأن الحقوقي للمتوجة بها، للأسف الشديد !!

الازدواجية في تعاطي الدولة مع الشأن الحقوقي في المغرب، ونهج سياسة التمييز في التعامل مع الجمعيات الحقوقية الوطنية، من العوامل التي تولد الإحساس بالحكرة الحقوقية، وتدفع قادة الجمعيات الحقوقية الوطنية المستهدفة، إلى اتهام الدولة بالسعي إلى قتلها الحقوقي، كخيار استراتيجي، وهي أيضا التي جعلت رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يقول بأن وزير الداخلية يعيث في البلد فسادا، قبل أن يتدخل وزير العدل والحريات للرد بسرعة – في إطار التضامن الحكومي مع زميله في الداخلية وحتى لا يسجل عليه أنه تعامل بسلبية مع هذا الموقف- على رئيس الجمعية أحمد الهايج، نافيا بذلك، أن يكون في الحكومة المغربية وزيرا يعيث في البلاد فسادا !!

التشنج الحاصل اليوم في علاقة الدولة بعدد من الجمعيات الحقوقية عليه ألا يستمر قبل أن يحدث النزيف الذي لا يستطيع أحدا وضع حد له.

إذا كانت الدولة تتوفر على حجج وبراهين دامغة تثبت بالدليل المادي الملموس، وليس بالأقوال والتشهير، أن الجمعيات المستهدفة في عملها الحقوقي، تستغل الواجهة الحقوقية كذريعة للنيل من الدولة، أو لتحقيق أهداف غير مشروعة، أو لتمرير مشاريع وأجندات خارجية ماسة بأمن البلد واستقراره، فلها كامل الحق في التوجه إلى القضاء، عوض اللجوء إلى أساليب المنع والتضييق والقمع، في تحدي سافر للقانون والدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان..

التضييق على أنشطة الجمعيات الحقوقية لن ينفع الدولة المغربية في شيء، بل على النقيض من ذلك، سيسيء إلى صورتها الحقوقية في الداخل والخارج، في وقت يلعب فيه خصوم المغرب ورقة حقوق الإنسان، لتسويد وجه المملكة أمام المنتظم الدولي، وإظهارها كما لو أنها مملكة معادية لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

الدولة التي تصالحت مع سنوات الجمر والرصاص ” ماضيها الأليم” من خلال ولوجها إلى العدالة الانتقالية عبر تجربة الإنصاف والمصالحة عليها أن تعي بأن حقوق الإنسان في المغرب من أهم صمامات أمانها. كما أنها مطالبة بعدم التفريط في رصيدها الحقوقي الذي راكمته مند وصول الملك محمد السادس إلى الحكم.

هل من الحكمة توريط الدولة في حرب ضد جمعيات حقوقية وطنية في وقت تواجه فيه تحدي الإرهاب والتطرف الذي اجتاح عدد من الأوطان وحول أمنها وسلمها واستقرارها إلى جحيم أسود؟