حميد المهدوي ـ توفيق بوعشرين، ناشر "أخبار اليوم" هو من روج كثيرا لوصف الراحل عبد الله باها بـ"الحكيم"، من خلال افتتاحيتين، وعنوان "مات الحكيم" الذي غطى به الصفحة الأولى لجريدته، في عددها ليوم الإثنين 08 دجنبر الجاري.

المثير في الحكاية أن بوعشرين هو نفسه من أطلق على باها رصاصة الرحمة، التي تنزع عنه كليا صفة الحكمة، من خلال افتتاحية وردت بجريدته، يوم الجمعة 3 دجنبر، من السنة الماضية، بعد أن  رفض الراحل بها، مقترحا من المعارضة والأغلبية في البرلمان يوم الأربعاء 11 دجنبر، يقضي بالتنصيص القانوني على فصل الثروة عن السلطة في مشروع القانون التنظيمي لعمل الحكومة.

يقول بوعشرين، في مقاله الذي جاء تحت عنوان: "عبد الله بها منظر الجمع بين الثروة والسلطة" : كنت دائماً أرى أن السيد عبد الله بها واحدا من زعماء التيار المحافظ في حزب العدالة والتنمية والحكومة، وأنه من الذين ينظرون لهذه المحافظة، حتى وإن كانت تضر بالإصلاح، لأن عقله مشغول إلى أعمق خلية فيه بالتطبيع مع السلطة وليس تغييرها، لكن لم أكن أتصور أن المحافظة السياسية للسيد بها، الذي له تأثير كبير على رئيس الحكومة، يمكن أن تقوده إلى حد تبرير أحد أسس الاستبداد والفساد والاحتكار، وهو الخلط بين الثروة والسلطة، وأن يصير عبد الله بها واحدا من منظري تيار الجمود السياسي الذي سيرجع بنا إلى الوراء باسم الخصوصية تارة، واسم الدين تارة أخرى".

ويبدو أن الحكمة غابت  في تحليل  بوعشرين  بمعناها العقلاني  وحضرت الحكمة   بمعنى  « عملية إطفاء الحرائق » الضارة بالحزب والدولة،  خاصة وأن  الفقيد باها  كان حارسا  للمعبد الذي  فيه توثقت العلاقة بين  الإسلاميين  ووزارة الداخلية، على عهد ادريس البصري، والضامن والوسيط في العملية  هو الفقيد عبد الكريم الخطيب  القريب من القصر، والعلبة السوداء الحقيقية  لهذا الرباط المقدس، وقد نجح الإعلاميون في إضفاء اسم العلبة السوداء على باها لكي  يطوقوه  بأمانة  وهمية  حتى  يُبرر توزيره بدون حقيبة. مع الإشارة إلى أن الوصف الكثيف لباها بـ"الحكيم" من قبل بوعشرين قد يجعل البعض يظن  أن خلفية  « الحكمة » هي استبعاد فرضية الإنتحار.

ونتساءل مع بوعشرين:  كيف يكون حكيما من دافع عن أهم  أساس من أسس الفساد والإستبداد؟ كيف يكون حكيما من   "عقله مشغول إلى أعمق خلية فيه بالتطبيع مع السلطة وليس تغييرها" بلغة نفس الكاتب دائما؟

كيف  يكون حكيما من ورط نفسه وصديقه  في حكومة لم تجلب سوى العار على حزبه، بعد أن وجد رئيسها عبد الإله بنكيران نفسه بين فخاخ "مسامير الميدة" كما يصفهم مستشار الملك عباس الجيراري؟

كيف يكون حكيما من اصطف إلى جانب "المخزن" بدل الاصطفاف إلى جانب الشارع والشباب  يوم 20 فبراير من سنة 2011؟ كيف يكون حكيما من صمت عن دستور ملغوم وحربائي تعود فيه كل السلط، في الأخير، للملك؟

كيف يكون حكيما من يصمت  عن "سلخ" الأطر واعتقالهم وإدانة الأساتذة، ومنع أنشطة الجمعيات الحقوقية،  ولا ينهى على الأقل رئيس الحكومة ووزير الداخلية، أو يقدم استقالته إن لم يقْوَ على فعل ذلك؟

والأخطر والأفظع كيف يكون حكيما من لم ينصح صديقه ورئيسه بنكيران ولو بزيارة "بروتوكولية" لمنطقة، قُتِل فيها  أزيد من خمسين مواطنا في الفياضانات، وهدمت فيها بيوت المواطنين، وبعضهم بات في العراء، في وقت يهرولان فيه إلى جنازة الزايدي رفقة علية القوم المخزني والإداري والسياسي والإقتصادي؟

كيف يكون حكيما من عجز عن مجرد حلحلة ملفات: "السلفيين" والعدل والإحسان" و"البديل الحضاري" وحزب "الأمة" و"الأمازيغية" "والجهوية"  و"الحكم الذاتي" وهو الرجل الذي يوصف بأنه صاحب القرار الفعلي في الحكومة؟

كيف يكون حكيما من صمت عن تعطيل التزام حكومي في " محضر 20 يوليوز" يقضي بتوظيف الأطر العليا المعطلة، في أسلاك الوظيفة العمومية على غرار زملائهم الذين استفادوا من التوظيف قبلهم؟

والأهم والاغرب من كل ما سبق هو كيف يُقبل أن يوصف باها بـ"الحكيم" وفي نفس الوقت يروج بأن وفاته قضاء وقدر؟

يُعرف "الحكيم" بتقديره لموقعه، فلا يرفعه فوق ما هو عليه حقيقة، ولا ينـزل به عن ذلك. وحين ينزل باها بموقعه، إلى أرض خلاء، لوحده، وبالليل، وهو العقل المدبر لأمور حزب له عداوات كثيرة، بل والأخطر أنه رجل دولة، يحمل أسرار بلاد، وعباد في تنظيمه، فيستحيل القبول بأنه "حكيم"، ومن يصر على هذا الوصف، فعليه البحث عن الجهة التي "قتلته"، وإما الكف عن الهذيان.

باها رجل دين وتقوى وورع وطيبوبة وأخلاق وبساطة كبيرة، هذا ليس فيه شك، وإن جاز أن يكون "حكيما" في السياسة، فقد سُخرت "حكمته" على الأقل منذ 20 فبراير من سنة 2011، عن وعي أو غير وعي لصالح "المخزن" ومصالحه ولم تسخر طيلة هذه المدة لصالح الشعب، إذ لو كانت كذلك لنصح نصفه بنكيران بالخروج من الحكومة منذ قرر حزب "الإستقلال" الانسحاب منها،  بدل أن يضع يده في يد "وكَّالْ العلاوات من تحت الطاولة"، أو  على الأقل تنبيهه إلى ضرورة القيام  بزيارة  إلى المناطق الجنوبية المنكوبة، بدل الإحتفال مع ابنه في فرنسا بتخرجه، وهذا أضعف الإيمان.