كشفت تصريحات لفاعلين مدنيين وسياسيين، ضمن برانمج إذاعي، بُثَّ، مساء الثلاثاء 16 غشت الجاري، على إذاعة طنجة عن أوضاع مُرَّة وفظيعة للغاية يرزح تحت نيرها ضحايا فاجعة إحراق سوق كاساباراطا، وسط صمت شبه كلي للدولة وأمام جبن برلماني وحزبي منقطع النظير.

ما الحاجة إلى الدولة إذا لم تؤازر مواطناتها ومواطنيها لحظة آلامهم وفواجعهم؟ لماذا وُجدت الدولة أصلا إذا لم تتدخل أمام الكوارث الفُجائية للتخفيف على الضحايا؟ هل يُعقل أن تنتظر الدولة مساعدة المجتمع وصدقات المحسنين؟ وهل يكفي أن تفتح سلطاتها تحقيقا في أسباب الفاجعة دون تقديم معونة عاجلة للضحايا؟ كيف نؤكد في الفصل الثالث من الدستور المغربي على أن "الإسلام هو دين الدولة" الذي يقول أحد نصوصه: "المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"، وإذا كانت الدولة تدعي أنها مسلمة، لماذا زار الملك ساكنة أنفكو ولم يزر ضحايا سوق "كاسابارطا" هل ساكنة أنفكو مسلمة وضحايا سوق طنجة ملحدين؟ كيف ينتقل رئيس الحكومة رفقة قادة حزبه عبر طائرة  لدفن عضو من حزبه، وينتقل إلى تطوان لدفن زميل له  في نفس الحزب، وحين اشتعلت النيران في سوق "كاساباراطا" بقي معاليه "يسرط في البسطيلة وكعب غزال" ويستمع للطرب الأندلسي في حفل زفاف زميله في الحزب الوزير بوليف، بتزامن مع اندلاع الحريق!

لا يشعر المواطن بقيمة الانتماء إلى الدولة إلا حين يجدها في عونه خاصة أمام الكوارث التي تصيبه، سواء أكانت فيضانات أو زلازل أوحرائق، وحين تخذل الدولة مواطناتها ومواطنيها أمام الكوارث ينقطع الحبل بينهما ويصبح هذا المواطن قابل للتمرد والارتماء في أكثر المشاريع الفكرية والسياسية تطرفا.

ما جرى في "كاساباراطا" مسؤولية الدولة فيه تابثة وسابقة عن مسؤولية الفرد والمجتمع، خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي تندلع فيها النيران، بهذا المكان، فأين الشرطة الإدارية التي من مهامها حماية ممتلكات المواطنات والمواطنين؟ أين دور الولاية في تكوين التجار على مواجهة مخاطر الحريق وغير الحريق؟ أين رئيس الجهة وصندوق التضامن الذي بين يديه؟ أين المجلس الجماعي؟ ثم هل باشرت الدولة أي مواكبة نفسية للضحايا؟ هل آزرتهم بأي مبلغ مالي لحد الساعة؟ هل سألت مصالح الدولة المختصة إن كان الضحايا وأسرهم يجدون ما يأكلوه اليوم أم لا؟ ألا يستحق هؤلاء استنفار الملك لبنكيران كما استنفره عند اندلاع الإحتجاجات ضد أمانديس، حين أيقضه عند الساعة السادسة صباحا كما ذكر بنكيران بنفسه أمام البرلمان؟

قبل سنة اجتاحت فياضانات كبيرة جنوب المملكة المغربية، فقُتل عشرات المغاربة، ماذا كانت النتيجة؟ هل تلقى ذوي الضحايا دعما نفسيا وماديا في المستوى؟ هل ساعدت الدولة الضحايا في إعادة بناء منازلهم بعد سقوطها؟ هل عاقبت السلطات المقاول ومسؤولي وزارة النقل عن انهيار قنطرة، تسببت في مقتل عشرات الناس، وهي التي لم يمر على بنائها سوى ثلاثة أشهر؟ طبعا لا شيء من هذا حصل، بل إن الكارثة سجلت فاجعة ستبقى عارا موشوما على جبين كل مسؤول حكومي مدى الحياة، حين ظهرت شاحنة أزبال قرب كلميم تنقل جثامين الموتى وكأنها جثث لصهاينة وليس لمغاربة، وحتى الصهاينة لا يليق، انسانيا وحقوقيا، نقلهم بتلك الطريقة بالرغم من كل الجرائم والفظائع التي ارتكبوها ويرتكبونها يوميا في حق الفلسطنيين العُزل.

تصوروا أيها المغاربة، بدل أن يتحمل المجلس المسير لجماعة طنجة مسؤوليته إلى جانب الولاية وباقي المصالح المختصة، حمَّل عضو بحزب "العدالة والتنمية" خلال مشاركته في البرنامج المذكور، المسؤولية للضحايا، بكونهم لا يحتاطون! ويبيعون موادا مهربة! وعلى قول الشاعر : إن لم تسْتحِ.. فقل ماشئت.

في الدول التي تحترم نفسها ومواطناتها ومواطنيها يقطع المسؤولون عطلهم وينتقلون إلى مواقع الفواجع للتخفيف على الضحايا بدعمهم ماديا ونفسيا، فيما مصالح الدولة كلها مجندة، لكن في المغرب لا تجد للدولة أثرا، بل إن المجتمع هو من يؤازر عبر صدقات المحسنين وتبرعاتهم! وهنا نتساءل أين التضامن الذي يتحدث عنه الدستور المغربي؟ أين "ضريبة التضامن" التي تُقتطع من جيوب المواطنات والمواطنين، لجبر ضرر الضحايا امام الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية؟

لو كنا في دولة تحترم نفسها، لقامت القيامة بسبب هذه الفاجعة التي تتكرر تقريبا كل سنة؟ نعم لو كنا في دولة برلمانها أصيل ومحترم لعقد اجتماعا طارئا، وأوفد لجنة لتقصي الحقائق، قبل أن يستدعي الحكومة لاستفسارها عن دورها في كل ماجرى قبل الفاجعة وبعدها؟ نعم إخوتي، لو لم يُطبع شعبنا مع الكوارث بعد أن ألف الفواجع وفقد الأمل في الدولة وأجهزتها، لكان اليوم يملأ الساحات والشوارع، احتجاجا على تكرار الفاجعة كل سنة تقريبا دون تقديم معونات للضحايا؟ مع كامل الأسف إخوتي نحن في دولة أحزابها غارقة إما في "الكلام الواعر"، أو غارقة في حسابات انتخابية أو غارقة في التخطيط لسبل التقرب من السلطة لحصد مزيد من الريع، نعم إخوتي مع كامل الأسف نعيش في دولة أرخص شيء فيها هو المواطن خاصة إذا كان مواطنا بسيطا وإلا ماكان المسؤول يجرؤ على نقل جثامين المواطنين فوق شاحنة أزبال!