في الوقت الذي ذهب الشيخ المغراوي وأتباع منهجه كعادتهم إلى التشكيك في جماعة العدل والإحسان وتوصيفها بالمشؤومة كمدخل غير صائب الاختيار، لمواجهة ما أسماه ب "المد الفاجر" في إشارة إلى الزحف الشيعي بالمغرب على خلفية ترخيص السلطات المغربية لمؤسسة الخط الرسالي للدراسات والنشر المعروفة بانتسابها للتيار الشيعي، -في ذات الوقت- نجد حزبا إداريا مغربيا يفتح أبوابه لمثقفين مغاربة يحملون فكرا شيعيا ويدافعون عنه في مختلف المناسبات والملتقيات.

يبدو من خلال هذه التوطئة نوع من التناقض والمفارقة الغريبة بشأن هذا الخروج الإعلامي-السياسي والذي يتضح لدى متتبعي الشأن العام بالمغرب أن مثل هذه التصريفات تنبثق من مشكاة واحدة وتأتمر بمصدر واحد، ذلك أن العقل السياسي الرسمي اعتمد منذ بداية مرحلة الاستثناء 1965 على سياسة بلقنة الأحزاب وانتهج فيها خطة تمييع المشهد الحزبي، ليمتص توهج النضال السياسي الحر ويهيمن على المشهد السياسي العام، واستمال في نفس الحقبة بعض الجماعات الدينية لتوظيفها ضد خصومه الذين ينازعونه المرجعية الدينية. والنتيجة كما يعلمها الإسلامي والعلماني بالمغرب، إفراز نمط سياسي هش بغرض التمويه والاستدراج، تمهيدا وتمديدا لمزيد من الفساد والاستبداد، وإذكاءً لنار الاختلاف بين مكونات المجتمع الواحد، حتى إذا نجح التكتيك سارع هذا العقل السياسي إلى امتصاص الاحتقان والتدخل بناء على بنود دستورية لحلحلة الإشكال، ومن ثمة يكون ترسيخ مبدإ التحكيم والاستئثار بالسلطة الدينية.
لا ينبغي لنا أن نختلف كون ما يسمى ب "السلفية التقليدية بالمغرب" منذ تأسيسها أو تخصيصها كورقة في سبعينيات القرن الماضي لتقويض الخصوم السياسيين، سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين أو شيعة. ولعل ما حدث في القرن الثامن عشر يوضح بجلاء امتداد الصراع السياسي بين السلطة المركزية والخصوم السياسيين، حيث إن السلطان المولى سليمان وظف فكرة العودة إلى الكتاب والسنة وهو شعار وهابي سلفي، من أجل ضرب الزوايا، الخصم السياسي في ذاك الزمن، إذ إن السلطان حرّر رسالة تليت في مختلف مساجد المغرب مفادها محاربة المواسم والبدع، وهذا ما جعل العقل السياسي الرسمي في ذاك الوقت يشن حربا ضروسا ضد القبائل التي كان أفرادها ينخرطون بكثرة في الزوايا الصوفية ، لكنه بعد ذلك مُني بالهزيمة وأسر في القرن التاسع عشر حسب بعض المؤرخين، ما جعل المولى سليمان يوقن أن اعتماده للفكر الوهابي هو رهان خاسر.
من هنا جاز لنا أن نتساءل؛ هل فعلا نفذت صلاحية السلفية التقليدية في المغرب؟؟ وما هي الجدوى من هذا الخروج الموسمي لأتباع السلفية التقليدية لتخصيص هجوم تحت الطلب على خصوم لا ينازعونهم في شيء؟؟ وهل بإمكانهم الفلاح في تركين المد الشيعي بعدما فشلوا في تحجيم جماعة العدل والإحسان، في ظل انكشاف براغماتيتهم من خلال بعض المواقف السياسية سواء بالمغرب أو بالقطر المصري الشقيق في نسخة حزب النور؟؟ وهل سيكون لانفتاح الديبلوماسية المغربية على نظيرتها بإيران الأثر السلبي على دعوات سلفيي المغرب إلى التصدي للمد الفاجر كما سماه شيخ السلفية التقليدية بالمغرب؟؟