إن كان من درس يمكن أن نتعلمه من الhعتداء السافر على المواطن المغربي "العربي أمزير" بأوامر من وزير الجالية المغربية "انس بيرو" و مسؤولين عن السفارة و القنصليات المغربية ببلجيكا و أمام أنظارهم ، و ما تلاها من ردود افعال غاضبة التي ارتفعت هنا و هناك ضدا على هذا النوع من التعامل المشين و المهين لرجل مسن يبلغ من العمر 76 سنة و جد لأحفاد، قضي ثلثي عمره بالمهجـر ، هو طرح السؤال التالي:
أين هي مسؤولياتنا نحن الديمقراطيون المغاربة بالخارج أمام هذا الانهيار الاخلاقي و تراجع النضال الديمقراطي الممانع حتى اضحى النظام يتصرف بكل أريحية في كل الملفات (المساجد و المدارس و الجمعيات الثقافية و الرياضية و وسائل الإعلام...)، بل يكاد أن يصبح اللاعب الوحيد في العديد من قضايا الهجرة مما سهل عليه مأمورية إعادة بناء ودادياته بطرق حديثة مكونة من رجال و نساء مسيسة مصحوبة ببلطجية عنيفة تهدد هنا و تشتري الذمم و الضمائر هناك و تدجن هذا و ذاك و تحاول اختراق الجميع دون مقاومة منظمة تذكر.

إنه من السذاجة أن نحمل كل "مآسينا" للمخزن وحده و نعتبر أنفسنا ملائكة نغض النظر عن أخطائنا و هزائمنا و أمراضنا و سذاجتنا أحيانا. صحيح أن المخزن يحاول أن يتحكم في كل الخيوط و لو في الخارج، لكن لابد من الاعتراف أننا سهلنا له المأمورية بصراعاتنا الصبيانية و خلافاتنا البزنطية و ب"جدالاتنا" العقيمة أحيانا و ممارساتنا البدائية.

لننظر إلى الوضعية التي تمر منها العديد من الجمعيات المغربية المحسوبة على الصف الديمقراطي بالمهجر. و لتشريح وضعيتها لابد من مصارحة انفسنا و الاستعداد الجماعي لتقديم النقد الذاتي المطلوب مهما كانت "قساوته" إن كنا فعلا لازلنا نأمل أن نخدم قضايا المهاجرين و الديمقراطية هنا و هناك.
إن الحصيلة غير المشرفة لأي كان منا مهما وصلت درجة اختلافاتنا، حتى أصبحنا معها عرضة للبلطجية و "السيبا" المخزنية في قلب اوروبا.

لا يمكن أن يجادل اثنان (إلا إن كنا مرضى بمرض الغرور)، بأن المنظمات الديمقراطية المغربية بالمهجر تجتاز أوضاعا صعبة جدا و شللا شبه تام نظرا لعمليات التدمير الذي تعرضت له. فإذا كنا لا نبرا النظام في شيء حول ما الت اليه وضعية هذه الجمعيات التي سعى دائما لإضعافها و التضييق على مناضليها و تدجين البعض منهم، إلا أن الخلافات الداخلية المدمرة و سوء التدبير و انعدام احترام المناضلين الذين يضحون بوقتهم و اولادهم و مالهم و تحطيم لبعضهم البعض و انهيار منظومة الاخلاق النضالية و الانسانية و عدم معرفة كيف ندبر خلافاتنا بشكل ديمقراطي و بوعي، كان سببا كافيا لنفور العديد من الطاقات و الغيورين عن أي عمل جمعوى و سياسي "مغربي" و ساهم في قتل بطيء للعديد من المنظمات الهامة و الوازنة ببلجيكا و عموم اوروبا.

و من خلال تجربتي المتواضعة لمدة 20 سنة خلت في بلجيكا، و مواكبتي عن قرب للعديد من المحطات النضالية و من داخلها، لابد من الاعتراف على اننا خسرنا اهم مواقع الصمود و جيوب مقاومة امام المد المخزني الرجعي و الداعشي في بلجيكا و عموم اوروبا اهمها:
- اغلاق المقر التاريخي و الوحيد للاتحاد الوطني لطلبة المعرب بالجامعة الحرة ببروكسيل، بل نهاية "اوطم" في بلجيكا و عموم اوروبا. هذا الوضع قد نجد له مبررات موضوعية ( لكنها غير كافية للتبرير و الاقناع)، كقلة الطلبة المغاربة الملتحقين بالجامعات البلجيكية مقارنة بالماضي و حتى الذين لازالوا يلتحون يتسم اغلبيتهم بضعف تكوينهم السياسي و النقابي، بالإضافة الى الوضعية الصعبة التي يجتازونها ناهيك عن وصول عدد هائل من شباب الجيل الثاني و الثالث الى الجامعات لا يهمهم مشاكل المغرب و المغاربة إلا قليلا.
- موت التجمع الديمقراطي المغربي الذي شكل شوكة دائمة في بلعوم النظام و الوداديين في السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي.
- اغلاق مقر الشبيبة المغاربية التي انجبت العديد من الاطر منهم من تحمل مواقع هامة و مسؤوليات في الدولة البلجيكية كالوزيرة الحالية للثقافة و الشباب فضيلة العنان و برلمانيين اخرين.
- موت ملتقى الديمقراطيين المغاربة (كونبيرجوس).
- اختفاء صوت حركة 20 فبراير بسرعة فائقة.
- شلل تام لأهم المنظمات التي حاولت اخذ المشعل:
* شلل تام (كما يبدو) لجمعية المغاربة لحقوق الانسان (ا. م. بي. دي. اش) رغم الامال التي عقدت على عاتق المناضلين الذين حاولوا احيائها.
* شلل فرع بلجيكا للجمعية المغربية لحقوق الانسان في انتظار الجمع العام الذي سينعقد في الاسابيع القليلة المقبلة.
- شلل تام للتجمع الديمقراطي للريف
- شلل شبه كلي للتنسيقية البلجيكية لمنتدى حقوق الانسان لشمال المغرب.
- ضعف الحركة الامازيغية في غياب امتلاك رؤية للمستقبل.

هذا الوضع المتسم بالشلل الشبه التام لا يشرف احدا على الاطلاق و لا يرضي احد إلا خصوم الديمقراطية (الا ان كان احدا منا مريضا) لا يرى إلا نفسه و نرجيسيته و ذاته و لا يعرف إلا النقد وراء الستار و في المقاهي دون ان يفعل اي شيء لوقف النزيف و الوقوف عند مكامن الخلل و العمل على استجماع القوى من جديد.

حان الوقت لكي نرى اوجهنا في المرآة
العديد من الاوروبيين (لكي لا اعمم) يرون المغاربة مجرد "مشاريع داعشية"، و انهم اتوا لأخذ مناصبهم في الشغل و مزاحمتهم في العمل و السكن ...الخ. و نحن عاجزين على انتاج خطاب مقنع يدعو للتسامح و التعايش و احترام الآخر و احرى الذهاب الى الشباب من الجيل الثاني و الثالث و حتى الرابع في مواقع تواجدهم في المدارس و المسارح و المساجد و الحانات للنقاش معهم و اقناعهم و تبيان لهم عن وجود رؤية اخرى و ان الحل هو النضال هنا ضد العنصرية و الاقصاء و التهميش و الحكرة المزدوجة هنا، و ضد الفساد و الظلم و القمع هناك في المغرب الذي كان سببا لتهجير ابائهم و اجدادهم و ابناء عمومتهم و ان الحل ليس الذهاب للقتال في سوريا و العراق في صفوف داعش و النصرة.
المغاربة الذين اصبحوا برلمانيين و وزراء و مثقفين و اطر منشغلون بأشياء اخرى و بحياتهم الشخصية و نحن لا نستطيع التأثير فيهم لكي يكونوا فاعلين و لو من مواقعهم في تقوية الصف الديمقراطي هنا على الاقل.
المساجد اصبحت في اغلبيتها المطلقة خاضعة و مراقبة من المخزن بما فيها تلك المحسوبة على الشيعة حيث لم تعد لها دور العبادة و الصلاة فقط بل تساهم في الحملات الانتخابية و تروج للخطاب الرسمي كلما طولب منها ذلك كما حدث مع التصويت ب "نعم" على دستور سنة 2011، حيث استعملت كمنابر للنظام.

الاعلام
- ضعف اعلامي واضح كان الهجرة لم تنتج اعلاميين و كتاب و مثقفين.
- اختفاء اذاعة "صوت المهاجر" الذين كان يديرها الزميل و قيدوم الاعلاميين المغاربة ببلجيكا احمد اوباري.
- بيع اذاعة المنار للتونسيين بعد ان خسر الكل معركة حسمها لصالحه.
- خلق قناة "مغرب تي. بي" في ظروف جد غامضة و بدعم منقطع النظير من "جهات مغربية" غير معلومة حتى اضحت "القناة المغربية" الوحيدة التي تدخل بيوت المغاربة (على الاقل في بروكسيل) بدون "برابول" و لا اذن مسبق.

ماذا تبقى لنا؟

لا اريد من خلال هذه الصورة القاتمة زرع اليأس على الاطلاق بل فقط اريد دق ناقوس الخطر و العمل على مصارحة الذات اولا و الاخرين ايضا، ف"الخير باقي موجود"/ لازال قائما:
- ففي بلجيكا لازالت تتواجد اهم الاحزاب اليسارية المغربية: النهج الديموقراطي، الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة الديموقراطي و الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. طبعا هذه الورقة قد لا تتسع لمناقشة موقعها و لا ادائها و لا ارتباطاتها مع المهاجرين او انشطتها و لا قصورها بل فقط تكتفي بالقول ان فروع هذه الاحزاب في بلجيكا تعد مكسبا للحركة الديمقراطية المغربية بالمهجر.
- الجمعيات التي وصفتها ب"المشلولة" لا زال مناضلوها احياء يرزقون بل نشيطون، فقط لابد من البث في امرها هل لازالت صالحة للاشتغال و عليه وجب احيائها و تجاوز اخطاء مناضليها او ان تعلن انها انتهت لنصلي عليها صلوات الجنازة و اكرامها بدفنها.
- وجود عشرات جمعيات الشباب و النساء تحتاج الى اعطاء لها القيمة التي تستحقها و دعمها و مساعدتها على تطوير ادائها.
- وجود عشرات بل المئات من المناضلين و المناضلات و الفعاليات الديمقراطية المستقلة الصادقة و مشتتة على طول خريطة بلجيكا و التي راكمت ما يكفي من التجربة و بقيت عصية عن التدجين و الاحتواء و تشتغل في صمت و بعيدا عن الضوضاء.
- وجود عشرات ان لم اقل مئات الشعراء و المثقفين و الاطر القادرة على العطاء فقط لابد من العناية بها و ربط التواصل معها.
- وجود برلمانيين و منتخبين و سياسيين من اصل مغربي علينا ان لا نتركهم يحتاجوننا إلا في الانتخابات تماما كما في المغرب، و وجود رجال اعمال و رياضيين من اصل مغربي غير راضين على اداء السلطات المغربية و يعاملونهم بإهانة في حالة لم يقسموا "الكعكعة" مع اهل الحال.
- غضب الناس و معاناتهم مع السلطات المخزنية و ما يتعرضون له من تنكيل و حكرة و استغلال و قولبة. ان اسمرار هذه المعانات كفيلة لتجعلنا يقضين صامدين واثقين من انفسنا و ان المهاجرين محتاجين لأصوات و منظمات قادرة على الوقوف معهم في محنهم و العمل على تاطيرهم لمقاومة الظلم هنا و هناك.

ما العمل
- لابد من الاعتراف بأخطائنا و نواقصنا و مناقشتها بهدوء و بدون عقد و لا احقاد.
- تقييم تجاربنا بهدوء و بشجاعة و علينا ان نعترف كوننا إلا بشر قد نصيب كما قد نخطئ في التقدير و التدبير و التاطير و من الواجب الاعتراف الجماعي بأخطائنا لان من لا يعترف بنواقصه و اخطائه فمن الافضل له الانسحاب.
- العمل على انقاذ ما يمكن انقاذه من المنظمات التي لازالت صالحة للاشتغال و اعتقد ان لها ما يكفي من مقومات النهوض و العمل على معالجة وضعها في اقرب وقت ممكن.
- مساعدة التنظيمات القادرة على النهوض للانطلاقة من جديد مع الاحترام التام لاستقلاليتها.

خاتمة

و لاستجماع القوى لابد من خلق الية للنهوض و جمع الهمم و ندعو لتشكيل لجنة لليقظة في اقرب الاجال مشكلة من انظف و اخلص الناس لدينا في التنظيمات و الفعاليات المناضلة في بلجيكا. لجنة مؤقتة (تشتغل لمدة ستة اشهر) تعمل على متابعة التطورات و تندد بالخروقات (كما هو الشان مع حالة المواطن المغربي العربي امزير و اخرين)، و تنظم الخطوات و تهيئ اللقاءات و تعمل على تنظيم جنبا الى جنب مع الجميع على عقد لقاء وطني (على مستوى بلجيكا) يمكن الاطلاق عليه اسم "ملتقى الديموقراطين المغاربة في بلجيكا" او "مجلس الهيات و الفعاليات الديمقراطية في بلجيكا". هذا المجلس يتجدد كل سنة في طار الجمع العام لكل الديمقراطيين حيث يمكن محاسبته على ادائه وزرع الدماء الجديد فيه او تغييره كليا.

هذا العمل قد يساعدنا على تحصين المناضلين و المناضلات و فتح لهم فضاء اوسع و ارحب لنقاش افكارهم بكل حرية و قطع الطريق على بلطجة ومخزنة مغاربة بلجيكا.
هذا المقترح قد يكون ايضا صالحا للرفاق و الاصدقاء في باقي بلدان اوروبا و كل العالم و في حالة ان يتم اعادة هيكلة كل الدول لنفسها انذاك فقط يمكن ان يكون تنسيقنا افضل بكثير عن ما هو عليه اليوم و يكمن ان نشكل هيأة اروبية او مجلس مغاربة اوروبا مستقل (ملتقى مغاربة اوروبا) بعيدا عن فتاوي المخزن و تدخلاته و فضائحه و فساده اللامتناهي.