انهار اجتماع فيينا الرباعي الذي ضم وزراء خارجية روسيا والولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية واستغرق ساعتين، ولم يتوصل الى النتيجة الاهم، اي التوصل الى اتفاق حول مستقبل الرئيس السوري بشار الاسد.

الثلاثي الامريكي التركي السعودي يريد ان يحقق النتيجة نفسها التي تم التوصل اليها في العراق وليبيا واليمن، اي تغيير النظام السوري سلما او حربا، حربا من خلال التدخل العسكري او الاحتلال، وسلما من خلال عملية سياسية تؤدي الى قطع رأس السلطة، او تنحيه، على غرار ما حدث في اليمن، ولكن النتائج في الحالات الثلاث جاءت كارثية بالنسبة الى الشعوب، وعدم استقرار وارهاب بالنسبة الى الجيران.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال كلمة السر الاهم عندما خرج بعد الاجتماع ليعلق “ان الشعب السوري هو من يقرر مصير الاسد”، بينما كان السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي اكثر دبلوماسية هذه المرة، عندما قال “اجتماع فيينا اكد على عدم وجود موقف مشترك بشأن مصير الاسد”.

***
قبل اجتماع فيينا بأيام جرى تسريب انباء تفيد بوجود خطة تتضمن انطلاق مرحلة انتقالية في سورية لمدة ستة اشهر، يستمر خلالها الرئيس الاسد في السلطة شريطة وجود ضمانات برحيله في نهايتها، واثارت زيارة الرئيس الاسد الخاطفة لموسكو ولقائه مع اركان القيادة الروسية تكهنات كثيرة حول وجود مصداقية لهذه الخطة، وذهب البعض، وفي اوساط المعارضة السورية خاصة، الى القول ان الهدف من الزيارة هو ابلاغ الرئيس السوري بهذه الخطة، لكن ديمتري باسكوف المتحدث باسم الرئيس بوتين نفى الجمعة اي علم للكرملين بهذه الخطة، وجاء تصريح لافروف بالتأكيد على ان الشعب السوري هو من يقرر مصير رئيسه، ليعمق من قبرها.

التطور الاهم في رأينا الذي برز رأسه بقوة في اجتماعات فيينا، هو نجاح القيادة الروسية في “شق” المعسكر العربي المعارض للرئيس الاسد الذي تبلور في بداية الازمة، ويمكن رصد هذا التطور في ثلاث نقاط:

الاولى: اخراج الاردن من المعسكر السعودي التركي جزئيا او كليا، وانخراطه في المعسكر الروسي السوري الايراني، بطريقة او باخرى، ويتضح ذلك من خلال توصل لافروف، وبعد اجتماع مع وزير الخارجية الاردني ناصر جودة، في فيينا الى “اتفاق على تنسيق العمليات الجوية والعسكرية في سورية”، وهذا يعني تكوين غرفة عمليات مشتركة من ضباط وعسكريين من الجانبين كمقدمة للقضاء على “جيب” المعارضة السورية في درعا.

الثانية: اصرار لافروف على توسيع دائرة الدول المنخرطة في بحث الازمة السورية، وضم كل من ايران ومصر اليها، اي عدم تركها حكرا على الدول الاربع، الامر الذي يعني “تعويمها” بطريقة او باخرى.

الثالثة: نجاح الدبلوماسية الروسية في “تهميش” الدور القطري في الملف السوري، ولو على صعيد الجهود السياسية على الاقل، ويتضح هذا من الغاء امير قطر، تميم بن حمد زيارة قال انه كان ينوي القيام بها الى موسكو الاسبوع الحالي، كلفتة احتجاجية.

وكان لافتا ان القيادة الروسية لم تعلق مطلقا على هذه المسألة، ومن المعروف ان دولة قطر لعبت دورا رئيسا منذ بداية الازمة السورية، سياسيا وعسكريا واعلاميا.

ما يمكن استنتاجه من كل ما تقدم ان روسيا متمسكة بالرئيس السوري، ان دعوته الى موسكو جاءت لتكريس هذا الموقف وتعزيزه، مما يسقط معظم الروايات التي قالت بعكس ذلك، واثبتت انها مجرد “تمنيات” لا اكثر ولا اقل، حتى ان رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف كتب على صفحته على “الفيسبوك” قائلا “ان الاسد كان هادئا ومتزنا كما كان عليه عندما قابله قبل خمس سنوات”.

السؤال المطروح الآن هو حول الخطوة التي يمكن ان يتخذها المعسكر السعودي بعد انهيار لقاء فيينا، وتمسك القيادة الروسية بالرئيس الاسد؟

***
للاجابة على هذا السؤال لا بد من التوقف عند تطورين مهمين يشيان بالكثير بالنسبة لما يكن اتخاذه من خطوات تصعيدية كرد على التدخل الروسي في سورية:

· الاول: الزيارة التي يقوم بها حاليا الى تركيا فريق اول ركن عبد الرحمن بن صالح البنيان رئيس هيئة اركان الجيش السعودي للتحضير لدعم عسكري سعودي موسع للمعارضة السورية المسلحة، وكان الدكتور نواف عبيد المستشار في السفارة السعودية في واشنطن قد اكد على حسابه على “التويتر” ان صواريخ “تاو” المضادة للدروع التي في حوزة المعارضة السورية، جاءت من السعودية التي اشترت 13795 صاروخا منها، من امريكا بقيمة 900 مليون دولار.

· الثاني: تصريحات السيد خالد العطية وزير الخارجية القطري لـ”سي ان ان” قبل بضعة ايام التي قال فيها ان بلاده ترحب بالموقف السعودي الذي عبر عنه السيد الجبير، ويهدد باللجوء الى الخيار العسكري في سورية، واضاف “ان قطر لا تستبعد الخيار العسكري اذا جاء لحماية الشعب السوري من وحشية النظام.. و”سنقول نعم لهذا الخيار بكل ما تحمله هذه الكلمات من معنى.. وهناك العديد من الطرق لدعم المعارضة”.

هل ستتمدد “عاصفة الحزم” في صيغتها الثانية الى سورية؟

هذا الاحتمال، وبالنظر الى التهديدات السعودية وارد، ولكن اذا تم تبني الخيار العسكري فإنه لن يكون ضد النظام السوري وحده، وانما ضد روسيا وحلفائها، فاذا “عاصفة الحزم” الاولى تواجه صعوبات جمة في اليمن، فهل ستكون صيغتها الثانية افضل حظا في سورية، وفي مواجهة الروس وطيرانهم وصواريخهم وبوتينهم؟

الاجابة متروكة للايام والشهور المقبلة.