في عالم السياسة كل شيء ممكن خاصة إذا كانت هذه السياسة تجري في بلد  كالمغرب، حيث يصف بنكيران مزوار بـ"المهزوز" وبـ"اللعبة" التي يحركها الياس العماري كما يشاء، بعد أن جاء به، بحسبه، عبر انقلاب دبره ضد رئيس الأحرار السابق مصطفى المنصوري، وفي الأخير اقترح على الملك أن يحمل مزوار واحدة من أهم الحقائب الوزارية، وإذن مالذي يمنع أن يقود بنكيران وإلياس الحكومة المقبلة؟

ألم يشارك "منتدى الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان" الذي يرأسه حامي الدين في المؤتمر الأخير لحزب "البام" في مدينة بوزنيقة، والذي أعلن فوز الياس العماري برئاسة الحزب، وهو الذي اتُّهِم دوما من طرف العديد من قادة وقواعد "البجيدي" بالوقوف وراء كل ما يُنشر على وسائل الإعلام، حول علاقة حامي الدين بمقتل الطالب اليساري محمد آيت الجيد بنعيسى؟

ثم ألم يشارك أيضا قيادي حزب "العدالة والتنمية" لحسن الداودي في نفس المؤتمر، قبل أن يقول عبر التلفزة المغربية (..) إن حزب البام "حزب ديمقراطي"؟

لا يوجد حزب "أحمق" في العالم يغير تكيتكاته ومواقفه بكل هذه السرعة، بل الأخطر أن يغامر برصيده الشعبي عند مواجهة قضاة الرأي  ويواجه العديد من إحتجاجات الأساتذة المتدربين ويمرر الإصلاح الخطير حول صندوق التقاعد ويستعدي معظم الشرائح الإجتماعية دون أن تكون له ضمانات ممن بيدهم "الحل والعقد" في البلاد للمشاركة في الحكومة المقبلة.

وحين يواجه بنكيران الإرادة الشعبية ويقول إن شعبيته الإنتخابية لا تهمه أمام المصلحة الوطنية، فهو فقط ذر للرماد ومناورة رخصية لا تنطلي إلا على قصارى العقول، فلو لم  يتلقى ضوءً أخضرا بالمشاركة في الحكومة المقبلة، نظير أن ينجز عددا من القرارات المعادية للمصلحة الشعبية والخادمة لمصالح صناع القرار في البلاد، نجزم أنه ماكان ليغامر بكل هذا العداء للشعب المغربي  ونخبه الحية.

حامي الدين أكبر متضرر من عداء "البجيدي" لـ"لبام" وربما يرى في تحالف الحزبين نهاية لـ"كابوس" قض مضجعه طيلة الولاية الحكومية الحالية، لهذا هو مستعد لإقناع بنكيران بقيمة التحالف مع "البام". الخلفي والرميد والرباح والداودي معروف عنهم ولعهم الشديد وحد الجنون بالكراسي والقرب من الحاكمين في المغرب.

وحين يقرأ هؤلاء المهوسون بالتقرب من السلطة، البرقية الملكية الموجهة لإلياس العماري، خاصة حين يشيد الملك بروحه الوطنية وخصاله وأخلاقه، فيستحيل على كل واحد منهم أن يتحدث في إلياس حتى في منامه وهو فوق سرير غرفته الخاصة.

ويبدو أن هذا التحالف أو الصفقة لم يكن ضحيتها فقط الأستاذة المتدربين والموظفين بل حتى قضاة الرأي وبينهم القاضي المعزول  الشريف العفيف محمد الهيني، والدليل موقف عدد من قادة "البام" من استقبال فريقهم للهيني داخل البرلمان، والأهم المصادقة في المجلسين رفقة حزب "العدالة والتنمية" على القانونين التشريعين الخاصين بالقضاء، والذين كانا أساس عزل الهيني.

حتى موقع "بديل" كان ضمن الصفقة، فقد أستدعيت إلى مؤتمر "البام"  معظم المواقع الإكترونية المغربية، التي يتقدم موقع  "بديل" على كثير منها تقدم الغرب على الشرق، ومعظم الجرائد الورقية، إلا موقعكم هذا المتواضع، الذي يُجهر قادة "العدالة والتنمية" علانية بكرههم له وبمعادته، بل إن "البام" وزع إشهار المؤتمر على معظم المواقع الإكترونية، وربما إرضاء لحزب "البجيدي" خاف من ظهور إشهار المؤتمر على واجهة الموقع، وبالنتيجة قد يؤثر ذلك على صفقة الحزبين.

أفتاتي بدوره قد يكون ضحية هذه الصفقة، خاصة وأن الأخير سبق وأن وصف الياس العماري بـ"منديل الصدر الأعظم"، في إشارة إلى علاقته بفؤاد علي الهمة، ومحنة أفتاتي اليوم أمام قضاء وجدة، وخيانته من طرف زملائه بادية للعيان منذ تجميد انشطته في جميع هياكل الحزب وإحالته على لجنة التأديب دون البث إلى غاية اليوم في هذا الملف، وما يقوي الشكوك حول إمكانية أن يكون أفتاتي ضمن الصفقة، هو أن ماقاله المعني في حق قادة "البام" قبيل الإنتخابات الأخيرة، ليس بقدر ذرة صغيرة إذا قورن بما قاله حميد شباط، الأمين العام لحزب "الإستقلال" في حق نفس الحزب ونفس القادة حين اتهمهم بتلقي مليارين وأحيانا 500 مليون من أباطرة المخدرات، لتجنيبهم دخول السجن، قبل أن يتهم قادة هذا الحزب بتعيين المسؤولين في المؤسسات العمومية، بل والأخطر اتهم زعيم الحزب، وبالإسم الياس العماري، بالتحكم في عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية من أجل اعتقال كل من رفض التطويع والخضوع لحزب "البام".

الدولة ـ وأمام التطورات الخارجية ـ في حاجة، خاصة دوليا وإقليميا، إلى "البام" في الحكومة المقبلة، ولو كمكون في الأغلبية مسنود بأحزاب تدور في فلكه، وهي بقدر حاجتها لـ"لبيجيدي" داخليا لمواجهة إخوانهم في الحركات الإسلامية وعرقلة أي تحرك شعبي ضد السياسة العمومية المعادية لشريحة واسعة من المجتمع المغربي.

و"البجيدي" وإن كان يملك قاعدة انتخابية مهمة، فقد أدرك قادته من خلال نتائج الإنتخابات الجهوية والجماعية الأخيرة، ومن خلال وصول إلياس العماري إلى الأمانة العامة لحزب "البام" مع إشادة الملك به وطريقة إستقباله وقبلها تمتيعه بأول صلاة كرئيس جهة إلى جانب الملك، قدرة "مالين الحال" على رفع من يشاؤون وإذلال من يشاؤون إنتخابيا، ربما لهذا اقتنعوا بضرورة الجلوس إلى الطاولة، وربما تحت هذه الطاولة جرى قبول الإجهاز على الأساتذة المتدربين وباقي ضحايا القرارات الحكومية، وكذا الإجهاز على الهيني لفائدة "البجيدي" والتأشير على الإجهاز على أفتاتي لفائدة "البام".