مرت عشر سنوات على بدء المغرب تنفيذ برنامج "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" الذي جاء لمحاربة الفقر في البلاد. رسميا، تقول الدولة إن البرنامج نجح في تحقيق الأهداف التي رسمتها له. وخلال عقد كامل صرفت الدولة على هذا البرنامج 29 مليار درهم مغربي وهو ما يعادل عٌشر ميزانية الدولة المغربية سنويا.

تقول وزارة الداخلية المغربية إنها أنجزت بهذا المبلغ الذي يناهز ميزانية بناء القطار السريع ما بين طنجة والدار البيضاء، أو بناء 6 مستشفيات جامعية كبيرة متعددة الاختصاصات، أكثر من 38 ألف مشروع، وأكثر من 8000 نشاط لفائدة 9.7 ملايين شخص وذلك بشراكة مع حوالي 18 ألف جمعية وتعاونية عبر التراب الوطني.

ورغم كل هذا الجهد والكلفة الكبيرة التي بذلتها الدولة، احتل المغرب مرتبة متأخرة على مستوى دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بحصوله على الموقع 129 عالميا من بين 187 دولة، في مؤشر التنمية البشرية لعام 2014 . وجاء ترتيب المغرب متأخرا في هذا التقرير الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلف دول تعاني من نزاعات وحروب داخلية منذ سنوات، مثل فلسطين التي جاء تصنيفها في المرتبة 107 وسوريا في المرتبة 118 والعراق في المرتبة 120. وحتى داخل المحيط الإقليمي تقدمت ليبيا على المغرب باحتلالها المرتبة 55، تليها تونس في المرتبة 90 والجزائر في المرتبة 93، حسب نفس التقرير.

ويعتمد التقرير الأممي في تصنيف مستويات التنمية في الدول عدة معايير أهمها مستوى أوضاع التعليم والصحة والسكن، على اعتبار أن التنمية مقاربة شمولية.

وفي آخر تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2014، انتقد حدَّة التَّباين فيما يتعلق بالدخل في المغرب وعدم المساواة في توزيع الثروة، ومرة أخرى جاء تصنيف المغرب في هذا المجال متأخرا، حسب معايير هذا التقرير، عن دول جنوبي الصحراء الكبرى مثل مالي وبوركينا فاسو وتشاد!

وطبقا للأرقام التي أوردها تقرير للبنك الدولي صدر عام 2013، وهو عبارة عن خلاصة لدراسة دولية دامت 10 سنوات وشملت 16 بلدا من ضمنها المغرب، فإن خمسة ملايين نسمة بالمغرب يعانون الفقر بشتى ألوانه ويشكلون 15 في المائة من السكان، فيما يعيش25 في المائة على عتبة الفقر أو تحت خط الفقر، أي ما يقارب 8 ملايين مغربي.

خلاصة كل هذه الأرقام تطرح سؤالا جوهريا حول أسباب تعثر مبادرة التنمية البشرية في المغرب في محاربة الفقر، فيما نجحت فيه تجارب دول أخرى؟ ففي البرازيل وضع الرئيس السابق لولا دا سيلفا عدة برامج للإصلاح الاجتماعي لحل مشكلة الفقر، واستطاع في ظرف ثماني سنوات في إخراج أكثر من 30 مليون شخص من تحت خط الفقر وتحسين أوضاعهم الاجتماعية. وعندما نقارن بين الحالتين المغربية والبرازيلية يتضح الفرق واضحا في السياسات التي انتهجت في كلا البلدين. ففيما وضعت البرازيل سياسة شاملة لمعالجة الفقر واستئصاله من جذوره نجد أن السياسة المغربية سعت إلى محاربة الأعراض بدلًا من الأسباب. كما أن الأجواء الديمقراطية التي تعتمد على الشفافية والمحاسبة، ساعدت البرازيل في التغلب على الفقر فيما يعتبر الفساد السياسي أحد أهم معوقات التنمية الاجتماعية في المغرب. وفي حالة "مباردة التنمية البشرية"، فقد ساهمت في تكريس الفساد، وخلقت نوعا جديدا من الريع لفئات أصبحت ترى في استمرار مظاهر الفقر والهشاشة رأسمال حقيقي تستثمره لترتقي اجتماعيا ولخدمة مصالحها السياسية.

هذا الاستغلال السياسوي لمبادرة التنمية البشرية في المغرب حولها منذ أن أطلقت عام 2005، إلى مجرد عملية علاقات عامة ضخمة يستثمرها النظام لتجميل صورته "الاحسانية" أمام رأي عام ينخره الفقر والجهل، وفي نفس الوقت لوقف مد الإسلام السياسي الذي يقتات على بؤس وفقر الفئات الفقيرة داخل المجتمع. وليس هذا هو المظهر السلبي الوحيد لهذه السياسة وإنما تكمن خطورتها في كونها عملت على تدجين قطاع واسع من المجتمع المدني الذي تخلى عن أدواره الرقابية والنقدية والاحتجاجية ليتحول إلى مصدر للريع واستشراء ثقافة الفساد بكل سلبياتها.