مصطفى المريني

وذلك بناء على قناعة بكونه هو الحزب الذي يمكن (هل ما يزال؟) أن يحدث التغيير المأمول الذي يجسد آمال المغاربة في الحرية والعدالة والديمقراطية، وذلك لا لشيء إلا لإتصاف نخبه بنظافة اليد ونقاء الذمة، وهذه في حد ذاتها كانت وما تزال رأسمالا مفتقدا في الحياة السياسية المغربية، خاصة بعدما تدنست أيادي معظم النخب السياسية المتعاقبة على الحكم بوحل تدبير الشأن العام، وفقدت جراء ذلك ثقة المغاربة الذين يئسوا من نخب تعد ولا تفي، حتى إذا لاح ضوء حزب المصباح في ديجور السياسة المغربي تنادى هؤلاء إلى مبايعته في إنتخابات 25 نونبر على أمل أن يشكل بديلا نوعيا للنخب القديمة ،بيد أنه – ويا للأسف !– لم يصدق ظن الناس به، أو على الأقل ظن المتعاطفين معه، حيث بدا بمظهر العاجز والفاشل عن تحريك برك السياسة والإقتصاد والإجتماع التي ظلت راكدة طيلة عقود طويلة، وبعث روح جديدة في دواليبها، وضخ هواء جديد في مناخ الحياة العامة يعيد للسياسة نبلها ،وللإقتصاد حكامته وللإجتماع عدالته.

أليس كان هذا هو المؤمل من تجربة سياسية قشيبة ،إنبعثت من رحم حراك شعبي رفع شعار الإصلاح والتغيير؟ فماذا فعلت حكومة عبد الإله بنكيران بإنتظارات المواطنين، وخاصة أولائك الذين صوتوا لصالحها؟

معظم الأراء المعبر عنها تحس ،وكأنها خدعت من طرف حزب العدالة والتنمية، بينما تعتبر آراء أخرى أن الحزب حمل أكثر مما يطيق، وبالتالي فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فيما تعتقد فئات أخرى أن الواقع أكبر من طموح العدالة والتنمية، لكن جل الأراء تعتبر أن حزب العدالة والتنمية فشل، فما هي مظاهر هذا الفشل برأي هذه الأراء يا ترى؟

يمكن إختزال مظاهر الفشل الذي توصم به حكومة عبد الإله بنكيران في مجموعة من المواقف والمبادرات والسلوكات التي إتخذتها أثناء مباشرتها لإختصاصاتها الدستورية والسياسية، وهاكم عينة منها، وهي قابلة على كل حال للأخذ والرد، وذلك تبعا لزاوية النظر و منطق التحليل، وكذا تبعا لفهم تعقيدات النسق السياسي المغربي

أولا: فشل الحكومة أو بالأحرى رئيسها في ممارسة صلاحياته الدستورية والسياسية كاملة، علما أن الوثيقة الدستورية الجديدة تخصه بصلاحيات مهمة وغير مسبوقة، بل الأدهى من هذا أنه في كثير من الأحيان بدا زاهدا في تفعيل صلاحياته وكأنه غير مخاطب بها، بيد أنه في أحيان أخرى بدا شديد التمسك بنصوص في الدستور معينة لمجرد أنها تساير مواقفه وتبرر سياسته، وليست بالضرورة تقول ما يريده، وهذا يعكس إنتقائية ممجوجة في التعامل مع أسمى قانون في البلد، وإعمال لمبدأ "إزدواجية المعايير" في تنزيل مقتضيات الدستور.

ثانيا: فشله في محاربة الفساد، علما أنه جاء إلى الحكومة على متن شعار محاربة الفساد الذي كان بمثابة "دستور" حركة 20 فبراير، والأنكى من هذا أنه بدا وهو يصرح بمقولته العجيبة "عفا الله عما سلف" وكأنه يهادن الفساد والمفسدين، لأن العفو يكون عند المقدرة وكذا عند التوبة، والحال أن المفسدين المفترضين لا هم أعلنوا توبتهم ولا الحكومة قدرت عليهم. وبالتالي فالعفو عليهم من طرف الحكومة هو أشبه بالمهادنة منه إلى إعلان موقف حقيقي وحازم، وهذا فيه تراجع عن مواقف حزب العدالة والتنمية الذي بنى برنامجه الإنتخابي على شعار محاربة الفساد.

ثالثا، أو ثالثة الأثافي هي إجترائه "بلا حشمة بلا حياء" على القدرة الشرائية للمغاربة، وخاصة الفئات الفقيرة والمتوسطة، وذلك من خلال الزيادة في أسعار المواد الغذائية وتطبيق نظام المقايسة على كثير من المواد الأساسية، مما كان له عظيم الأثر على المعيش اليومي للفئات الهشة و الفقيرة والمتوسطة، ومعلوم أن لجوء الحكومات إلى الزيادة في الأسعار، إنما يعكس في الغالب ضيق أفقها وقلة ذكائها، وحتى على فرض ضرورة هذا الإجراء فإنه لا يتم اللجوء إليه إلا بعد تجريب جميع الحلول الممكنة والمبدعة، فهي بمثابة آخر الدواء كما يقال، والحال أن الحكومة لم تستعمل ذكاءها للبحث عن حلول أخرى مبتكرة ،بدل اللجوء من الوهلة الأولى الى أسلوب الكي ،على ما ينطوي عليه هذا الإجراء من تهديد للإستقرار والسلم الإجتماعيين. وهذه سياسة سهلة بلا شك. وبالتاكيد فإن المغاربة لم ينتخبوا حزب العدالة والتنمية من أجل أن يلجأ إلى هكذا سياسة سهلة.

رابعا: "إظهار العين الحمراء" في وجوه المعطلين الشاحبة التي أرهقها إنتظار "غودو" = وظيفة ،بعد أن سلخت سنوات طوال في مدرجات الكليات والمعاهد العليا، واقفال باب التوظيف أمامها بطريق مباشر أو غير مباشر، وحجة السيد رئيس الحكومة - وهي بالمناسبة أوهى من بيت العنكبوت- هي تطبيق مقتضيات الدستور التي تمنع التوظيف المباشر، وهنا فقط يمعن السيد رئيس الحكومة في التمسك بالمقتضيات الدستورية وتطبيقها حرفيا، علما أن إعمال هذا المقتضى الدستوري كان سيكون مبررا ومفهوما لو تم في سياق مغاير، توفر فيه الدولة والقطاع الخاص فرصا كافية للخريجين والباحثين عن الشغل، حيث يحق للجهات المشغلة حينئذ أن تجري المباريات لتختار الأكفأ والمناسب، أما وأن الخلل فادح بين العرض والطلب، فمن الطبيعي أن تبادر الفئات التي طال إنتظار دورها للولوج إلى الوظيفة- وذلك ليس لعدم كفاءتها أو قدرتها على النجاح في المباريات وإنما بسبب قلة الوظائف- إلى مطالبة الدولة بتشغيلها مباشرة، أو على الأقل إيجاد صيغ عمومية من أجل إدماجها في الحياة الإجتماعية ، ولو بتخصيص منح للبطالة في إنتظار إدماجها، أليس هذا هو دور الحكومات؟. أما أن يتمسك السيد رئيس الحكومة بنص جامد، يفترض أن يستجيب للحاجيات الإجتماعية للناس فهذا ما يسمى سياسة الهروب إلى الأمام. أليست الدساتير، إنما وجدت لإسعاد الناس؟فلا فائدة ترجى من دستور لا يطعم الناس من جوع ولا يأمنهم من خوف.

لكن،مع ذلك هل تكفي هذه المؤاخذات كأدلة حاسمة في إدانة تجربة العدالة والتنمية في الحكومة والحكم عليها بالفشل،خاصة وأنه مازال في جعبتها سنتين ونيف لإستدراك ما يمكن إستدراكه؟