يوسف الطاهري

لم تغسل بعد وجهها و تنظف أسنانها كما عادتها، و دخلت علي مذهلة و عيناها تحمل آثار أرق، بينما كنت في المطبخ أهيئ فطور الصباح: 

ـ أبي هل حقا سيقتل الفرنسيون المهاجرون كما قالت أختي البارحة ليلا؟
أي فكرة رهيبة منعت عنها هجوع الليل، و هيجت كوابيس الرعب في منامها، وانتظرت حلول الصباح لتحصل على جواب يطمئنها.
ـ ما ذا تقولين هذا ليس صحيحا يا ابنتي.
منذ شيوع خبر الاعتداء الإرهابي المسلح على مقر أسبوعية "شارلي إيبدو" ، لا حديث غيره يهيمن في حياة المهاجرين و أطفالهم ، الكل يبحث عن أجوبة تريحه من الفزع الذي خلفه هذا الحدث المروع.
ـ إن القاتل كبر بالله و صرخ بانتقامه للرسول...
ـ يا ابنتي لا الله ولا رسوله يحتاجان للانتقام و الثأر من أجلهما فان الله على كل شيئ قدير، فلو أراد الانتقام بمن يعادونه لفعل.
وكم إجابة عَليَ الاجتهاد من أجل نسجها لتكون سهلة الفهم، قوية الدلالات، فالأطفال هنا يتداولون أفكار يستقونها من آبائهم، و يبدو أن غالبية الأباء ممتعضون بمن سخروا بالرسول، وقد يقول بعضهم لأبنائهم، أن القتلى من الرسامين يستحقون هذا المصير. و عَليَ أن اقنع بناتي بأن لا شيء يبرر القتل والإرهاب و أن الأمر أكبر من سخرية رسوم غير متحركة في الورق...
الساعة تشير إلى وقت الخروج من المدرسة، المدينة يكسوها ضباب مخيف، لا يسمح برؤية ما يتقدم أكثر من أمتار معدودة، تسللت مسرعا من مخرج ضيق للبناية التي أسكنها كي لا أتخلف على موعد خروج التلاميذ.
على بعد مترين أو ثلاث لاحظت امرأة تجر طفلة صغيرة، تدفع عربة أطفال تحتضن رضيعا، كانت تمشي ببطء و أنا من ورائها أنتظر أن تسمح لي بالمرور. لم أتجرأ أن أطلب منها ذلك. ثم فجأة ادارت وجهها نحوي و كأنها شعرت بوجودي، وإذا بالوجه المطلي بالدهشة يزداد حمرة حتى أن الدم يكاد ينفجر منه.
إنها جارتي، لم أبحث كثيرا عن سبب تغير تقاسيم وجهها، ربما فزعت من وجهي في هذا الصباح الرمادي، وجهي هذا الذي أحمله اليوم مكسي بزغب لحية تنهض قوية ،خليط شعيرات من الأبيض و الأسود، و شارب انحدر على الشفة العليا بعض الملمترات.
أحزنيني كثيرا و أنا في هدا الوضع أن أكون مصدر رعب امرأة و طفلتها، يا الله أهل أنا مرعب إلى هذه الدرجة...
أحسست أنها تفكر في نفس الموضوع الذي أفكر فيه مع اختلاف منطق النظر، و إلا لما ألقت علي تلك النظرة التي يمتزج فيها الحقد بالفزع، كنت أراها من قبل في الحي مبتسمة، كانت رشيقة طوال جلوسها في الحديقة القريبة تحرس أطفالها كما أفعل أنا تماما إلى أن يداهم الليل المكان. كانت بنظراتها ا تشعرني بانها مطمئنة لوجودي في الحديقة و أنها تقدرني. وكأنها تقول لي أننا نحمل نفس الهموم، لنا أطفال نبحث على بعث المرح والسرور في داخلهم بمنحهم فرصة اللعب في الحديقة.
لماذا إذن تغيرت تقاسيم وجهها هذا الصباح؟
قدمت لها التحية ولم ترفع رأسها، ربما ململت شفتيها لكن لم ألحظ شيئا ولم أسمع شيئا، ثم مشيت مسرعا و كأني أقول لها :
ـ لا تخافي سيدتي أنا لست من الصنف الذي يرعبك في الاعلام.
ثم غرقت في هواجس مخلفات هذا الحدث الرهيب، و قلت في نفسي: لماذا أنا مضطر شرح براءتي بما جرى؟ أنا الذي لازلت ابتلع جراح قرون من القتل التي تدرس في الكتاب والمدارس والزوايا. أنا الضحية التي لم ينظر لها كذلك. لقد شاءت الأقدار الآن أن أكون المتهم الأول فقط لبشرتي، لانتمائي الجغرافي لهويتي...
انتهيت إلى مكان الانتظار قرب المدرسة، تلقيت بعض التحيات جافة كما جفاف الروح في عالم الغربة أو ربما يخال لي ذلك، أحيانا يتحرك الراس فقط لتـأديتها ولا أثر بالترحاب تبدو في الوجه، عكس ما كانت عليه قبل اليوم.كانت في السابق ابتسامات و أحيانا قبلات في الوجه أو شد قوي على اليد اليمنى.
تجمعات صغيرة متفرقة، نساء يتهامسن بينهن، لا يمكن أن يهيمن في حديثهن غير ذلك الحدث المروع، و لابد من رأي يطلب رحيل المهاجرين كما فعلت زعيمة الكره والحقد العنصري.
كانت ابنتي حملت معها في الصباح كيسا مليئا بالحلوى و المشروبات من أجل الاحتفال في القسم مع زميلاتها وزملائها بعيد ميلادها العاشر. و كنت انتظر ابتسامة عريضة على وجهها عندما تخرج من المدرسة، قد يمحي أثار احتقان شديد خيم في داخلي من الحدث و صعقات الإعلام الرهيب الذي تعتمده القنوات الفرنسية.
لكن يبدو أن العكس ما أراه من بعيد، حزن شديد يغمرها وهي قادمة، تمشي ببطء و رأسها منحني نحو الأرض، كانت قبل البوم بمجرد أن تراني من بعيد تركض سريعة، ثم تعانقني وتقبلني و تخوض مباشرة في حكاية بعض ما جرى في القسم.
ـ ما لي اراك حزينة يا ابنتي ماذا وقع؟
ـ لم احتفل بعيد ميلادي يا أبي، المعلمة قالت أن اليوم حداد على مقتل الصحفيين.
ـ لا تحزني يا ابنتي، كما وعدتك سنقيم حفل عيد ميلادك نهاية الأسبوع في المنزل بحضور صديقاتك وأخواتك.
ـ ولكن يا أبي إني خائفة، لقد قالت لنا المعلمة أن الإرهابيون قريبون من مدينتنا، وأنه علينا إن وقع حدث ما أن نختبئ تحت الطاولات....
يا للهول، لم يكن لهذا الموت إلا أن يرسي في الاطفال هذا الألم و الرعب، و يمنع الاحتفالات بأعياد الميلاد...من أين أتى و ماذا يريد، وما الذي يشترك فيه معي ومع بناتي؟ و المهاجرون تداس أرواحهم وآمالهم على مدار اليوم و الساعة، البطالة، تكاليف العيش، رعب العنصرية ،القلق غبى مصير الأطفال وعلى منحى ثقافتهم التي تبدو قنبلة قيد التحضير...
ازداد الضباب سوادا، لم تعد عيناي تتسع بعيدا لتشمل ما يجري من حولي، لا أقرب النساء اللواتي يصطحبن أبنائهم خوفا من تبادل نظرات الحذر و الخوف، تلك التي تزيد من توسيع الضجر في داخلي. إلى أن جاءت لحظة كنت مضطرا ان أزدحم معهن في ممر ضيق، سمحت لبعضهن بالمرور بدون وضع العين في العين أو تحريك شفتاي للابتسام خوفا من أن ترد جافة .
في هذه اللحظة فقط تحركت شرايين دمي بعدما كان الخمول أصابها :
ـ بونجور موسيو
ـ يونجور مادام
وليت وجهي إلى الوراء لألتقط تقاسيم ذلك الوجه السموح، ذلك الوجه البريء الذي أخبرني أن الدنيا بخير، عكس ما كرسه في ذاتي ذلك الصنف الذي أرهق صباحي.
كانت بيضاء البشرة، شقراء الشعر و حمرة شفتيها تغلي بالحياة، ابتسامة فائضة بالأمل كُنت محتاج اليها لاستعادة حيويتي:
ـ أهذا أنت؟ كيف الحال كيف تعيش وأطفالك، لم أراك منذ زمن.
هي واحدة من وضعوا البسمة في وجه نساء الحي ، كنت التقيت بها في إحدى الأنشطة الجمعوية الداعمة للقضية للفلسطينية. تحدثنا قليلا حول ما يجري و لم نتمكن من الاستمرار بسبب اضطرارها للتوجه إلى العمل.
في عودة ابنتي الكبيرة و الأصغر منها من الإعدادية، و بعدما فتحت لهما الباب تهاطلت علي مباشرة أسئلتهما المعقدة حول الحدث، و كانت أجوبتي مرتبكة، و لم أتمكن من نزع الحيرة من رأسهما.
كلما أجبت عن سؤال يأتي الأخر فأسا على رأسي، حتى أني أحيانا أحول النقاش لموضوع آخر هروبا من تلك أسئلة التي لا أملك جوابا لها.
ـ أبي، أخبرك أني حتى و إن وقفت دقيقة صمت لن تكون على من سخروا بالرسول.
يا إلهي كيف سأقنعها بأن الأمر لا يتعلق بالسخرية على الرسول ولا بالإسلام بقدر ما يتعلق بحرية التعبير و طريقة التعاطي مع الديانات و احترام ثقافات الأقليات و الصراع بين الشعوب المضطهَدة والمضطهِدة...
في المساء كان كل شيء قد حصل، لقد استوطن وترسخ الفزع ليزيد من قلقل الأسئلة :
ـ لقد حضر البوليس والدرك إلى الإعدادية يا أبي و قاموا بتفتيش كل التلاميذ وكانت الاجواء رهيبة...
ـ وهل فتشوا التلاميذ الفرنسيون
ـ نعم
في ذلك المساء توالت الأحداث، وخطاب للرئيس أكد فيها تميز حضارة قومه على حضارة قومي، و توسعت المطالبة بترحيلي، وكانت العيون المرعبة المحدقة بوحشية في وجه بناتي تزداد جحوظا ورعبا. ولم أجد جوابا عن أسئلة أرقت أيامي من قبيل ماذا أنا فاعل هنا؟ لماذا يغض المسؤولون في بلدي النظر و تركوني وحيدا وهم يقولون: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ