عبد الله أفتات

أعادت قناة "ميدي1 تفي" موضوع "تاريخ الحركة الإسلامية المغربية" إلى الواجهة من جديد بعد تراجعها في آخر لحظة عن بث حلقة من برنامج "المحققون" يوم الثلاثاء الماضي 02 شتنبر 2014 التي كانت ستخصصها لهذه القضية الشائكة التي أسالت الكثير من المداد ولا زالت بفعل طغيان النظرة الحزبية والتنظيمية الضيقة عند تناول ومعالجة تاريخ يعتبره البعض أنه لم يكتب بعد، في ما ينتقد البعض الآخر المحاولات التي جرت لحد الآن في هذا الاتجاه والتي لم تكن موفقة لاعتبارات عديدة .

وكانت أبرز معالجة لتاريخ الحركة الإسلامية المغربية وخلفت ردود أفعال بعضها كان قاسي جدا، هي تلك التي قدمتها جريدة "التجديد" لسان حال حركة التوحيد والإصلاح عبر سلسلة أعدها الأستاذ بلال التليدي، قبل أن تطبع في كتاب عبر أجزاء وهو ما أغضب العديد من الأطراف خاصة تلك التي لم تشارك والتي بدأت في التفكير في إعادة هذا الموضوع إلى نقطة الصفر بتقديم قراءة جديدة ومعطيات وأحداث لم تسلط عليها الأضواء كما يجب في الرواية التي قدمتها جريدة "التجديد"، والأمر يتعلق ليس فقط بشخصيات تاريخية بل أيضا بتنظيمات لعبت أدوار طلائعية في تاريخ الحركة الإسلامية المغربية وخاصة جماعة العدل والإحسان وحركة الاختيار الإسلامي التي تم الإشارة إليها بشكل لم يكن في مستوى ما قدمته للدعوة وللمغرب فاجأ مجموعة من المراقبين والفاعلين .

وأول ملاحظة يمكن تسجيلها بخصوص مأ أتجزته جريدة "التجديد" هو أن مبادرة الأستاذ التليدي لقيت ترحيبا ودعما كبيرين من قبل قيادة حركة "التوحيد والإصلاح" على اعتبار أن الجريدة هي لسان حال الحركة، ووضعت لهذا الغرض كل الإمكانات لإنجاحها سواء على مستوى العلاقة أو على المستوى المادي خاصة وأن الأمر تطلب سفريات إلى المدن المعنية للقاء الشخصيات المستهدفة، وهي نقطة إيجابية تسجل لفائدة القيادة في تسهيلها لمأمورية الأستاذ بلال التليدي .

ثاني ملاحظة تتعلق بالشخصيات التي تم استجوابها وإجراء مقابلات معها وهي في مجملها تنتمي لحركة "الإصلاح والتجديد" أو التنظيمات الصغيرة التي توحدت تحت راية "رابطة المستقبل الإسلامي"، إلا بعض الاستثناءات، وكان واضحا من خلال أجوبتها والمعطيات المقدمة محاولتها تمجيد التجربة المعنونة ب"التوحيد والإصلاح"، ساعدها في ذلك طريقة صياغة وطرح الأسئلة من الأستاذ المحاور، حتى أن القارئ العادي يعتقد على أن تاريخ الحركة الإسلامية المغربية مجمل في هذه التجربة، وبدا الأمر واضحا من خلال عدد الأسماء المستجوبة والتي شكلت النسبة الطاغية المنتمية للتوحيد والإصلاح .

ثالث ملاحظة تتمثل في التهميش الواضح والبين لتنظيمات لعبت أدوارا هامة في تاريخ الحركة الإسلامية المغربية وكان لها تأثير مشهود في المسيرة الدعوية بالمغرب، وإذا كانت مبادرة "التجديد" قد أشارت إلى بعض العناوين بخصوص جماعة العدل والإحسان، فإنها مارست تضييقا بينا على "حركة الاختيار الإسلامي" التي رغم أنها قضت مدة يمكن أن نقول عنها طويلة في "السرية التنظيمية" إلا أنها كانت تعد في فترة الثمانينات من القرن الماضي كبرى الحركات الإسلامية المغربية والتي كانت تضم في صفوفها آلاف الشباب رغم الوضع السري، ويعود هذا التضييق في تقديري إلى سببين :

ف "حركة الاختيار الإسلامي" تعتبر الحركة الإسلامية الوحيدة القادمة من حركة "الشبيبة الإسلامية" التي بقيت خارج "الدائرة" التي جمعت بين حركة "الإصلاح والتجديد" والجمعيات والتنظيمات المنضوية تحت لواء "رابطة المستقبل الإسلامي" سنة 1996، وهو الأمر الذي لا زال فيه الكثير من الغموض ولم تتطرق إليه بالشكل الكافي حوارات "التجديد" حول تاريخ الحركة الإسلامية، على اعتبار أن مصادر تتحدث عن تدخل جهة ما لإبعاد "حركة الاختيار الإسلامي"، وإن كان البعض يشير أساسا إلى الاختلاف الواضح على مستوى المواقف خاصة على مستوى الأولويات .

الأمر الثاني مرده إلى سياسة الصمت الذي لا زالت تنهجها العديد من القيادات التي صنعت تاريخ الحركة الإسلامية منذ نهاية الستينات من القرن الماضي والمنتمية لحركة "الاختيار الإسلامي" ومعظمها متواجد أو قريب من الحركة من أجل الأمة التي يقودها الآن قيادي من الجيل الثاني، وهو الصمت الذي شجع جريدة "التجديد" على المضي قدما في نهجها القائم أساسا على إبراز تجربة "التوحيد والإصلاح" على المستوى التاريخي وتقديمها للرأي العام على أنها التجربة البارزة في تاريخ الحركة الإسلامية المغربية والواقع بخلاف هذا.
لذلك فالمطلوب اليوم من القيادات المعنية الخروج إلى العلن وتقديم رأيها من جهة في ما أنجزته صحيفة "التجديد" أو بالأحرى حركة التوحيد والإصلاح، وتقديم الرواية القريبة من التاريخ الحقيقي للإسلاميين المغاربة عوض ترك هذا الأمر تتحكم فيه أهواء سياسية وتنظيمية ضيقة قد تفسد المغزى من التاريخ من جهة ثانية، وما يدعو إلى التعجيل بهذا الخروج هو أن القيادات المعنية بعضها مريض والبعض الآخر قد بلغ من الكبر عتيا، مما قد يحرم في أية لحظة الرأي العام المغربي عموما والمتتبع خصوصا من تكوين صورة حقيقية عن هذا التاريخ الذي على ما يبدو عملت جريدة "التجديد" على تحويل وجهته إلى اتجاه معين مستثمرة هذا الصمت الذي لم يتجاوز لحد الآن انتقادات بقيت لحد الآن وراء الأبواب .


[email protected]